
874 ألف لبناني على خط الفقر
874 ألف لبناني على خط الفقر
كتب شربل صفير في “نداء الوطن”:
بينما تتصدر أخبار الحرب الأخيرة بين “حزب الله” وإسرائيل عناوين النشرات، يخوض ملايين اللبنانيين معركة مختلفة وأكثر هدوءًا، لكنها لا تقل قسوة: معركة البقاء اليومي. في بلد أنهكته سنوات من الانهيار الاقتصادي، أصبح تأمين الطعام والدواء والوقود تحديًا يوميًا يفرض نفسه على حياة الأسر.
لم يعد السؤال الذي يبدأ به اللبنانيون يومهم “ماذا سنفعل اليوم؟”، بل “كيف سنؤمّن ما يكفي لنمرّر هذا اليوم؟”. فمع ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل، تحولت ميزانيات الأسر إلى حسابات دقيقة تُدار على حافة العجز، حيث تُراجع كل ليرة قبل إنفاقها، وتُؤجل معظم القرارات غير الضرورية إلى أجل غير معلوم.
واقع الأسر: معركة يومية بين الحاجة والبقاء
في هذا السياق، يقول سعيد، أب لثلاثة أطفال من بيروت في حديث لـ “نداء الوطن”: “قبل سنوات كنا نخرج أحيانًا للعشاء أو نشتري ألعابًا للأطفال، كان هناك شعور بالحرية والاستقرار. الآن، كل شيء تغيّر. كل ما أفكّر فيه هو أن يكون هناك ما يكفي للطعام والدواء والوقود، وأن أتمكن من دفع فواتير الشهر. كل يوم أصبح تحديًا جديدًا، وأحيانًا أشعر أن مجرد تأمين الحليب لأطفالي هو انتصار”.
ويضيف سعيد، مشيرًا إلى التغير الجذري في العادات اليومية: “حتى التسوّق أصبح عملية معقدة. أقارن الأسعار بكل شيء، وأشتري أحيانًا منتجات أقل جودة إذا كانت أقل سعرًا. بات معظم أصدقائي وعائلاتهم يعتمدون على شبكة من الأقارب والجيران لتبادل الحاجيات، وهذا شيء لم أكن أتوقعه في حياتنا اليومية قبل الأزمة”.
وبالتزامن، مع هذه التجربة اليومية للأسر، تكشف أحدث البيانات عن حجم الأزمة: يواجه نحو 874 ألف شخص مستويات “أزمة” أو “طوارئ” من انعدام الأمن الغذائي، ما يعادل نحو 17- 18 % من السكان، فيما يحتاج أكثر من 2.7 مليون شخص إلى مساعدات غذائية عاجلة، أي أكثر من نصف سكان البلاد. كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 10 – 15 % قبل شهر رمضان 2026، في مقابل انخفاض القدرة الشرائية للأسر، ما يعقّد مسألة تلبية الاحتياجات الأساسية. ويزيد من الضغوط تراجع سوق العمل الخاص بنسبة 25 % في التوظيف، ما يجعل كل يوم معركة جديدة لتأمين الطعام والدواء والوقود، ويعكس حجم الضغط الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المجتمع اللبناني حاليًا.
الأسواق في قلب الأزمة
على صعيد الأسواق، يوضح أحمد، صاحب سوبرماركت في بيروت لـ “نداء الوطن”: “لم يعد هناك طلب على المأكولات الخفيفة أو الكماليات، الطلب الآن فقط على الرز والسكر والطحين والحليب. الناس يقارنون الأسعار ويشترون الكمية الأقل سعرًا، حتى لو كانت أقل جودة. بعض الأسر تضطر للاقتراض لمجرد شراء حاجيات الشهر”.
ويشرح أحمد أثر ذلك على إدارة المحل: “أصبح الإقبال على السلع الأساسية هائلًا، وأحيانًا تنفد المخزونات قبل أن نحصل على البضائع الجديدة. هناك ضغط مستمر علينا إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والضرائب، ما يزيد من الصعوبة. نحن نحاول تلبية حاجيات الزبائن قدر المستطاع، لكن مواردنا محدودة، وكل قرار شراء أو استيراد أصبح محسوبًا بعناية”.
ويكشف أحمد عن تأثير هذه الأزمة على حياته اليومية: “أحيانًا أضطر لتغيير وجبات الطعام أو تأجيل شراء الدواء حتى أتمكن من تغطية بقية الاحتياجات الأساسية. هذا ضغط نفسي كبير ليس فقط عليّ، بل على الأطفال أيضًا، فهم يشعرون بالخوف أحيانًا دون أن يعرفوا السبب، ويبدأون بالسؤال عن كل شيء في المنزل، وهذا يجعل كل يوم تحديًا جديداً للأسرة”.
وأمام هذا الواقع، يشير خبراء اقتصاديون لبنانيون إلى أن ما يحدث ليس مجرد أزمة موقتة، بل تحول عميق ومستدام في سلوك الأسر: “نحن أمام تحوّل عميق ومستدام في سلوك المستهلك اللبناني. سبّبت الحرب والأزمات الاقتصادية المستمرة ركودًا شديدًا في القطاعات المنتجة، وركزت أولويات الأسر على البقاء، لا على الاستثمار أو الادخار. هذا يعني أن الاقتصاد المحلي يتراجع، والاعتماد على القروض لتغطية الاحتياجات الأساسية أصبح قاعدة جديدة”.
صمود وتكيّف في اقتصاد الطوارئ
وبالرغم من الضغوط الكبيرة، يظهر اللبنانيون قدرة ملموسة على إعادة ترتيب أولوياتهم وإدارة مواردهم المحدودة بذكاء. تتكيّف الأسر مع ضغوط الحياة اليومية، ويتعلم الأطفال منذ الصغر مهارات التخطيط والبقاء، بينما تواصل الأسواق والمجتمع العمل رغم الظروف الصعبة.
يثبت هذا الواقع أن اقتصاد الطوارئ ليس مجرد أزمة، بل منصة لإعادة بناء نمط حياة يعتمد على المرونة والقدرة على التكيف. ومع استمرار هذه القدرة على التكيف وإدارة الموارد بفعالية، يمكن للمجتمع اللبناني مواجهة الصعوبات الحالية والحفاظ على استقراره الاجتماعي والاقتصادي، مع أمل واقعي في قدرة الأجيال القادمة على تجاوز التحديات والبقاء على قيد الحياة.



