
هل تبقى سوريا خارج صراعات المنطقة؟ تحديات الاستقرار ومخاطر الانجرار إلى المواجهة
هل تبقى سوريا خارج صراعات المنطقة؟ تحديات الاستقرار ومخاطر الانجرار إلى المواجهة
يُعدّ الاستقرار العامل الأكثر أهمية لبدء مسار تعافي سوريا والانتقال نحو مرحلة إعادة البناء والتنمية، غير أن هذا الهدف لا يزال بعيد المنال في ظل تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، ولا سيما الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدت سوريا حتى الآن خارج دائرة الاستقطاب الدولي المباشر، في حالة تشبه الحياد غير المعلن، وهي وضعية نادرة في منطقة باتت معظم دولها منخرطة في الصراع بدرجات متفاوتة.
هذا الابتعاد النسبي عن المواجهة قد يمنح سوريا فرصة لتعزيز الاستقرار الداخلي وتهيئة الظروف لإعادة تحريك الاقتصاد المتعثر وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار. غير أن المخاوف تبقى قائمة من احتمال توسع رقعة الحرب لتقترب من حدودها، خصوصاً في ظل تقارير تحدثت عن مشاركة مقاتلين أكراد في عمليات داخل الأراضي الإيرانية بالتزامن مع بداية الحرب. كما أثيرت تساؤلات بعد تداول أنباء عن تحركات عسكرية لعناصر كردية من مناطق شمال شرق سوريا، الأمر الذي أثار مخاوف من رد فعل إيراني قد يمتد إلى العراق أو الأراضي السورية.
في الداخل السوري، تتزامن هذه التطورات الإقليمية مع مرور عام على أحداث دامية شهدها الساحل السوري، حيث قُتل مدنيون في أعمال عنف طائفية اتُهمت فصائل مرتبطة بالحكومة بالمشاركة فيها إلى جانب مجموعات مسلحة محلية. هذه الأحداث، إضافة إلى حوادث لاحقة شملت تفجيرات استهدفت كنائس وأعمال عنف في مناطق مثل السويداء وحلب، تركت آثاراً عميقة على الثقة بين فئات من المجتمع والسلطة، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لمحاسبة المسؤولين أو الحد من انتشار السلاح خارج إطار الدولة.
أما على صعيد العلاقات الإقليمية، فقد أدى تراجع النفوذ الإيراني بعد سقوط نظام بشار الأسد إلى إضعاف ما كان يُعرف بمحور المقاومة، وهو ما انعكس مباشرة على قدرات حزب الله، خصوصاً بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان أواخر عام 2024، والتي أوقعت خسائر كبيرة في صفوف قياداته وأثرت على بنيته العسكرية.
وفي ظل هذه المتغيرات، ظهرت تكهنات حول احتمال سعي دمشق إلى استغلال تراجع قوة الحزب للتأثير في المشهد اللبناني، خاصة بعد تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع التي أبدى فيها دعمه للرئيس اللبناني جوزاف عون في مسألة نزع سلاح حزب الله. كما لفتت الانتباه التحركات العسكرية للجيش السوري قرب الحدود مع لبنان، والتي وصفها مسؤولون بأنها إجراءات روتينية تهدف إلى حماية الحدود ومنع أي اختراقات أمنية.
وتعززت التكهنات بعد اتصال هاتفي جرى بين الشرع ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل، قال الأخير إنه جاء بهدف طمأنة اللبنانيين بشأن الحشود العسكرية السورية على الحدود.
ويرى مراقبون أن أي تدخل عسكري محتمل في لبنان قد يهدف إلى إظهار دمشق بمظهر المنخرط في المواجهة ضد إيران، بما قد يعزز تقاربها الأمني مع واشنطن ويكرس تموضعها ضمن محور إقليمي مختلف. غير أن مثل هذا السيناريو قد يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يفتح الباب أمام تداعيات غير محسوبة، خصوصاً في ظل الحديث عن وجود خلايا موالية لحزب الله داخل الأراضي السورية.
في المقابل، تواجه سوريا تحديات اقتصادية ومعيشية متزايدة، مع نقص في بعض السلع الأساسية مثل الغاز المنزلي والمحروقات، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الكهرباء وأسعار المواد الغذائية، ما يزيد الضغوط على المواطنين. ويخشى كثيرون أن يؤدي أي انخراط في صراعات إقليمية جديدة إلى تعميق هذه الأزمات بدل المساهمة في حلها.
لذلك يرى مراقبون أن الحفاظ على حالة الاستقرار النسبي والبقاء خارج النزاعات الدائرة في المنطقة قد يكون الخيار الأكثر فائدة لسوريا في هذه المرحلة، إذ يمكن أن يشكل ذلك أساساً لجذب الاستثمارات وإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد، وهي خطوة يعتبرها كثيرون الفرصة الأبرز أمام البلاد للخروج من أزمتها الطويلة.



