مقالات

لبنان بين الدبلوماسية والممرات الاقتصادية: مؤشرات على تموضع إقليمي جديد وترقّب لمرحلة ما بعد التسويات

لبنان بين الدبلوماسية والممرات الاقتصادية: مؤشرات على تموضع إقليمي جديد وترقّب لمرحلة ما بعد التسويات

تعكس الحركة الدبلوماسية المتسارعة المرتبطة بلبنان انطباعاً متزايداً بأن المسارات السياسية والإقليمية لم تعد مقفلة كما تبدو ظاهرياً، بل إن الدولة اللبنانية بدأت تدريجياً العمل على إعادة تموضعها ضمن التوازنات الإقليمية الآخذة بالتشكل، في ظل متغيرات ترتبط بملفات التفاوض الدولية والتسويات الكبرى في المنطقة.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى إعلان الانضمام إلى مبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا بوصفه خطوة سياسية تتجاوز بعدها الاقتصادي، إذ تحمل رسالة إلى المجتمعين الدولي والعربي مفادها أن لبنان يسعى للانخراط في مشاريع الاستقرار والتنمية، لا البقاء في موقع الساحة المتأثرة بالصراعات. ويأتي ذلك بالتوازي مع مقاربة رسمية تسعى إلى مقايضة الانخراط الإقليمي بضمانات تتعلق بالاستقرار الأمني والتزام التفاهمات القائمة، بما يعزز موقع لبنان التفاوضي في المرحلة المقبلة.

تزامناً، أضفت مواقف داخلية مرتبطة بملف الصراع الإقليمي بُعداً إضافياً على المشهد السياسي، حيث تُفسَّر إشارات عدم الانخراط في مواجهة إيرانية–أميركية محدودة على أنها عامل يخفف الضغوط عن الدولة اللبنانية، ويمنحها هامشاً أوسع في إدارة الاستحقاقات الأمنية، ولا سيما ما يتعلق بانتشار الجيش واستكمال الخطوات المرتبطة بضبط الواقع الأمني في مناطق حساسة.

كما أن الحديث الرسمي عن دور الآليات الدولية في مناطق شمال الليطاني يعكس توجهاً نحو تغطية دولية لأي خطوات أمنية لاحقة، في إطار مقاربة تدريجية لمعالجة الملفات المرتبطة بحصر السلاح وتعزيز دور المؤسسات الشرعية. وتُقرأ الاجتماعات الأمنية الرفيعة التي عقدت خارج لبنان، بمشاركة قيادات عسكرية وأمنية، كجزء من التحضيرات العملية لمؤتمر باريس المرتقب، الذي يُتوقع أن يشكل منصة لدعم المؤسسة العسكرية وتمويل متطلبات المرحلة المقبلة.

وتشير معطيات سياسية إلى أن الاتصالات التي جرت في عواصم غربية، ولا سيما واشنطن، أسهمت في بلورة تصور أولي لخارطة طريق تقوم على معادلة الاستقرار مقابل الانخراط في مشاريع اقتصادية إقليمية، ما يضع لبنان في حالة ترقب إيجابي بانتظار اتضاح مسار الملف الإيراني، سواء اتجه نحو تسوية سياسية أو نحو تصعيد عسكري.

في موازاة ذلك، برز الحضور الفرنسي في ملفات إعادة رسم المشاريع الاقتصادية الإقليمية، بما في ذلك مبادرة الممر الاقتصادي، كمؤشر على سعي القوى الدولية إلى إدماج لبنان في منظومة اقتصادية جديدة ترتبط بإعادة تشكيل طرق التجارة والنفوذ في الشرق الأوسط. غير أن هذا الانخراط يطرح تساؤلات داخلية حول كلفته السياسية والاقتصادية، ومدى قدرته على تحقيق توازن في علاقات لبنان مع محيطه الإقليمي، في ظل تنافس المشاريع الدولية الكبرى.

أما على الصعيد الأمني الداخلي، فتتجه الأنظار إلى مؤتمر باريس المرتقب باعتباره محطة أساسية لدعم الجيش والقوى الأمنية، في إطار خطة دولية تهدف إلى تعزيز دور المؤسسات الرسمية في ضبط الاستقرار وتنفيذ الالتزامات الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بضبط الحدود وتعزيز الانتشار العسكري. وتشير القراءة السياسية إلى أن رفع مستوى التنسيق الدولي حول هذا الملف يعكس وجود تفاهمات مسبقة بشأن دور المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة.

داخلياً، يتقاطع هذا الحراك مع الاستحقاق الانتخابي الذي يشهد ارتفاعاً تدريجياً في وتيرة الترشيحات وتبدّل التحالفات، وسط ترقب لتأثير المتغيرات الإقليمية على توقيت الانتخابات ومسارها. فالعامل الخارجي يبقى حاسماً في تحديد المناخ السياسي العام، في ظل ارتباط الاستقرار الداخلي بنتائج التسويات الإقليمية الكبرى.

في المحصلة، يتحرك لبنان ضمن ثلاثة مسارات متداخلة: التموضع الاقتصادي عبر المشاريع الإقليمية، والمعالجة الأمنية المرتبطة بحصر السلاح وتعزيز دور الدولة، والاستحقاقات السياسية الداخلية، وسط رهان رسمي على استثمار أي تسوية إقليمية مرتقبة لحجز موقع فاعل في النظام الإقليمي الجديد، من دون الانزلاق إلى أثمان سياسية أو أمنية غير محسوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce