
“العصف المأكول” يفتح مرحلة الحرب الكبرى: المنطقة أمام معركة تغيير المعادلات
“العصف المأكول” يفتح مرحلة الحرب الكبرى: المنطقة أمام معركة تغيير المعادلات
لم يعد التصعيد العسكري الدائر في الشرق الأوسط مجرد مواجهة محدودة أو جولة توتر عابرة، بل تحوّل إلى محطة مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة بأكملها. فمع إعلان حزب الله إطلاق عملية “العصف المأكول”، دخلت المواجهة مع إسرائيل مرحلة مختلفة تتجاوز الاشتباكات التقليدية، لتصبح جزءاً من صراع إقليمي أوسع يرتبط مباشرة بالمواجهة مع إيران وبالمعادلات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، تراجع الحضور السياسي للمبادرات الدبلوماسية لمصلحة المعادلة العسكرية، حيث باتت التطورات الميدانية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأحداث. ووفق قراءات سياسية، فإن العملية التي أعلنها الحزب تمثل انتقالاً واضحاً إلى مرحلة مواجهة مفتوحة، يضع فيها ثقله العسكري الكامل في المعركة بعد فترة من الاستعدادات والتجهيزات.
وتشير التقديرات إلى أن الحزب ينظر إلى هذه المواجهة باعتبارها معركة مصيرية، سواء جاءت في إطار دعم إيران أو بالتوازي مع معركتها الإقليمية. وفي هذا الإطار، لم يعد الجدل الدائر حول أسباب اندلاع الحرب أو توقيتها يحتل أولوية في حساباته، إذ بات التركيز منصباً على إدارة المواجهة الميدانية وتداعياتها.
وتوضح المعطيات أن الحزب يدرك الكلفة الباهظة للحرب على لبنان وعلى بيئته الاجتماعية، إلا أن هذه الكلفة لم تكن كافية لثنيه عن خوض معركة يعتبرها ضرورية لإعادة تثبيت معادلة الردع بعد خسائر سابقة. ومن وجهة نظره، فإن كلفة الهزيمة أو الظهور بموقع الضعف تبقى أعلى بكثير من كلفة الاستمرار في القتال، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية.
وخلال الأشهر الماضية، تعاملت أطراف إسرائيلية وبعض القوى الداخلية مع الحزب باعتباره في موقع المتراجع، فيما كان الأخير يمرّ بمرحلة إعادة تنظيم لقواه واستعادة جاهزيته العسكرية. ومع إعلان جهوزيته الكاملة، يرى أن المعركة الحالية تمثل اختباراً حاسماً لموازين القوى في المنطقة.
في المقابل، أغلقت قنوات التواصل السياسية إلى حد كبير، باستثناء قنوات محدودة للتواصل غير المباشر، في حين رفض الحزب الدخول في أي نقاش جدي حول مبادرات تسوية أو مقترحات تفاوض مع إسرائيل. وتشير المعطيات إلى أنه اطّلع على عدد من الطروحات الدبلوماسية لكنه لم يُبدِ استعداداً لمناقشتها في هذه المرحلة.
كما ينظر الحزب بتحفظ إلى المبادرات الأوروبية، وخصوصاً تلك التي تقودها فرنسا، معتبراً أن تأثيرها الفعلي يبقى محدوداً مقارنة بالدور الأميركي–الإسرائيلي في إدارة مسار الحرب. كذلك يرفض المقترحات التي تتحدث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ويرى فيها تنازلاً سياسياً قد يكرّس واقعاً لا يتوافق مع رؤيته للصراع.
وفي ظل تسارع التطورات العسكرية، تبدو الحركة السياسية في حالة جمود شبه كامل. مصادر سياسية مطلعة تتحدث عن انسداد واضح في الأفق الدبلوماسي، مع احتمال عودة المبادرات إلى الواجهة لاحقاً تحت ضغط المعركة. وفي هذه المرحلة، يركز الحزب على إعادة تثبيت معادلة الردع، مع تأكيده أنه سيكون طرفاً أساسياً في أي تسوية إقليمية مقبلة.
أما اختيار تسمية العملية العسكرية بـ”العصف المأكول”، فيُنظر إليه على أنه يحمل دلالات سياسية وعسكرية في آن، إذ يشير إلى دخول الحزب بكامل قدراته في المواجهة بعد فترة تحضير استمرت أياماً عدة لما يصفه بالحرب الكبرى.
في المقابل، تتحدث تقديرات صادرة من خارج لبنان عن منح الولايات المتحدة ضوءاً أخضر لإسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية ضد الحزب في لبنان. غير أن تقارير وتحليلات في واشنطن تشير أيضاً إلى وجود نقاشات داخلية حول سبل الخروج من الحرب أو احتوائها. وفي هذا الإطار، نُسبت إلى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مواقف تحمل مسؤولية مسار التصعيد لبعض مستشاريه.
وفي موازاة ذلك، تؤكد مصادر قريبة من محور إيران–حزب الله أن المسار اللبناني بات مرتبطاً إلى حد كبير بالتطورات في إيران. وتقول هذه المصادر إن طهران تعتبر أن أي مفاوضات مستقبلية حول الأزمة ستشملها إلى جانب لبنان، فيما تبقى الأولوية في المرحلة الراهنة للميدان.
وتشير هذه التقديرات إلى أن الحسابات الإسرائيلية كانت تقوم على فرضية انتهاء المواجهة في إيران أولاً، قبل الانتقال إلى مواجهة واسعة مع حزب الله في لبنان. إلا أن هذا السيناريو بات أكثر تعقيداً بعد صمود إيران وتهديدها بإغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى التلويح بالسيطرة على مضيق باب المندب، وهما من أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.
وتستند إيران في قوتها الاستراتيجية إلى موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في حركة إمدادات الطاقة العالمية عبر هذه المضائق، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا انعكاسات اقتصادية واسعة حتى على القوى الكبرى.
على المستوى الداخلي اللبناني، يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون طرح مسار سياسي يهدف إلى فتح باب الحلول، إلا أن المعطيات تشير إلى أن إسرائيل لا تبدي حالياً استعداداً للقبول بوقف إطلاق النار أو بالعودة إلى القرارات الدولية، ما يحدّ من فرص المبادرات السياسية.
كما ينتظر لبنان موقفاً من المبعوثة الأممية جينين هينيس-بلاسخارت بشأن مقترحات تتحدث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من دون شروط مسبقة حتى في ظل استمرار العمليات العسكرية، غير أن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود تجاوب واضح من تل أبيب أو واشنطن.
في المحصلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة تحولات كبرى قد تعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي. فالمواجهة لم تعد محصورة على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، بل باتت تمتد إلى الجغرافيا الاستراتيجية الأوسع للشرق الأوسط، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والنفوذ العسكري والسياسي. وفي مثل هذه اللحظات، تميل المعادلات إلى أن تُحسم أولاً في ساحات القتال قبل أن تنتقل لاحقاً إلى طاولات التفاوض.



