مقالات

“مجلس السلام” في واشنطن لإعمار غزة: تعهدات مالية ضخمة وخلافات دولية حول الشرعية والدور

“مجلس السلام” في واشنطن لإعمار غزة: تعهدات مالية ضخمة وخلافات دولية حول الشرعية والدور

شهدت واشنطن في 19 شباط/فبراير 2026 انعقاد الاجتماع الأول لما يُعرف بـ“مجلس السلام”، وهو إطار دولي أُنشئ بمبادرة من الإدارة الأميركية لبحث آليات إعادة إعمار قطاع غزة بعد أكثر من عامين من الحرب المدمّرة، وذلك في ظل استمرار خروقات وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025. وشارك في الاجتماع ممثلو أكثر من أربعين دولة، انضمّت سبع وعشرون منها رسميًا إلى المجلس، فيما اكتفت دول أخرى بالحضور بصفة مراقب، في حين فضّلت دول غربية حليفة لواشنطن، بينها دول أوروبية بارزة، عدم الانضمام بسبب تحفظات على طبيعة الميثاق وصلاحيات المجلس الواسعة التي قد تؤثر في أدوار المؤسسات الدولية التقليدية.

وأسفر الاجتماع عن مسارين رئيسيين، أولهما إعلان تعهدات مالية لإعادة إعمار القطاع، وثانيهما طرح إنشاء “قوة استقرار دولية” تتولى الجوانب الأمنية. وقد تعهدت عدة دول أعضاء بتقديم نحو سبعة مليارات دولار، إلى جانب التزام أميركي بتوفير عشرة مليارات دولار إضافية، فيما أُشير إلى جهود دولية موازية لجمع تمويل إضافي عبر منظمات دولية ومؤسسات مالية، مع بدء العمل على إنشاء صندوق خاص بإعادة إعمار وتنمية غزة.

وخلال الجلسة، عُرضت تصورات لإعادة إعمار مناطق مدمّرة في جنوب القطاع، تتضمن مشاريع بنى تحتية واسعة وربطًا اقتصاديًا إقليميًا مع دول الجوار، في إطار رؤية بعيدة المدى تتحدث عن تحويل غزة إلى كيان يتمتع بحكم ذاتي اقتصادي وتنموي خلال عقد من الزمن. إلا أن هذه الرؤية الطموحة تصطدم بواقع ميداني شديد التعقيد، في ظل حجم الدمار الهائل، إذ تشير تقديرات دولية إلى وجود عشرات ملايين الأطنان من الأنقاض التي قد يستغرق رفعها سنوات طويلة، فضلًا عن الحاجة إلى إزالة الألغام قبل الشروع بعمليات البناء الفعلية.

وتقدّر الجهات الدولية كلفة إعادة إعمار غزة بعشرات المليارات من الدولارات، بينما لا تغطي التعهدات الحالية سوى جزء محدود من هذه الكلفة، خصوصًا مع تدمير نسبة كبيرة من المباني والبنى التحتية، بما فيها المدارس والمستشفيات والمساكن. كما تحيط الشكوك بإمكانية تنفيذ مشاريع الإعمار في ظل الشروط السياسية والأمنية المطروحة، ولا سيما المطالب المرتبطة بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية وتفكيك البنية العسكرية، وهو ما ترفضه تلك الفصائل التي تعتبر قضية السلاح شأنًا فلسطينيًا داخليًا يرتبط بالتوافق الوطني.

وفي موازاة ملف الإعمار، أعلن عن التوجه لتشكيل “قوة الاستقرار الدولية” بمشاركة دول عدة، بينها دول إسلامية، على أن تتولى مهام حفظ الأمن تدريجيًا في القطاع، بدءًا من مناطق محددة وصولًا إلى انتشار أوسع يشمل آلاف الجنود وعناصر الشرطة. كما طُرحت خطط لتدريب الشرطة الفلسطينية بدعم إقليمي ودولي، في حين لم تتضح بعد طبيعة مهام القوة وحدود انتشارها، خصوصًا في ما يتعلق بملف نزع السلاح أو الانتشار على الحدود، وهي نقاط حساسة قد تثير اعتراضات سياسية وميدانية.

ورغم الطابع الدولي للاجتماع، برزت إشكاليات تتعلق بشرعية المجلس وتركيبته، إذ شاركت إسرائيل في أعماله بينما غاب التمثيل الفلسطيني المباشر عن هيكليته القيادية، واقتصر الحضور الفلسطيني على إطار إداري تقني معني بإدارة الشؤون اليومية في القطاع. وقد دفع هذا الغياب عددًا من الدول إلى التحفظ أو الامتناع عن الانضمام، وسط انتقادات حقوقية اعتبرت أن غياب الطرف الفلسطيني من دائرة القرار يضعف مصداقية أي رؤية مستقبلية لإدارة غزة.

كما أثار ميثاق المجلس جدلًا واسعًا بسبب الصلاحيات الاستثنائية الممنوحة لرئيسه، بما في ذلك صلاحيات تتعلق بالعضوية وتفسير الميثاق وإدارة الهياكل التنفيذية، الأمر الذي يعزز الطابع الشخصي للمبادرة ويثير تساؤلات حول استمراريتها في حال تغير الإدارة الأميركية مستقبلاً. وترافق ذلك مع مخاوف دولية من أن يتحول المجلس إلى إطار موازٍ أو منافس للمؤسسات الأممية، خاصة مع خطاب سياسي يشدد على الحاجة إلى آليات “أكثر مرونة” في إدارة النزاعات الدولية.

في السياق ذاته، فضّلت قوى دولية كبرى ودول حليفة تقليدية للولايات المتحدة التعامل بحذر مع المجلس، إذ تخشى أن يؤدي الانخراط الكامل فيه إلى تكريس نموذج دولي قائم على موازين القوة السياسية بدل المرجعيات القانونية الدولية. كما تبرز مفارقة لافتة في أن الدعوة إلى تعزيز السلام وإعادة الإعمار تزامنت مع تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات العسكرية في ملفات أخرى، ما يعكس تداخل الأبعاد السياسية والاستراتيجية في مشروع المجلس.

وبين الطموحات المعلنة لإعادة إعمار غزة والواقع السياسي المعقّد، يبقى مستقبل “مجلس السلام” مرهونًا بعوامل عدة، أبرزها حجم التمويل الفعلي، والتوافق الدولي، وموقف الأطراف الفلسطينية، فضلًا عن استقرار الرؤية الأميركية التي يبدو أنها تمسك بمفاصل القرار داخل هذا الإطار، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرته على تحقيق إعادة إعمار شاملة ومستدامة في قطاع لا يزال يعيش تداعيات حرب مدمّرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce