
بين باريس وطهران… أين يقف لبنان في ملف الممر الهندي؟
بين باريس وطهران… أين يقف لبنان في ملف الممر الهندي؟
في ظل تصاعد الحديث عن احتمال توجيه ضربة أميركية لإيران، يجد لبنان نفسه أمام تحولات سياسية واقتصادية متسارعة تضعه في قلب توازنات إقليمية دقيقة. فبينما تتجه الأنظار إلى ما قد تحمله المرحلة المقبلة من تطورات عسكرية، برز في بيروت مسار جديد يتمثل في فتح النقاش الرسمي حول الانضمام إلى مشروع “طريق الهند-الشرق الأوسط-أوروبا” (IMEC)، بدفع فرنسي واضح، ما أثار تساؤلات حول تموضع لبنان في الخريطة الجيوسياسية المقبلة.
التحرك الفرنسي تُرجم بزيارة الموفد الخاص لمبادرة الممر الاقتصادي، جيرار ميستراليه، ولقاءاته في كل من قصر بعبدا والسراي الحكومي، حيث طُرح ملف انخراط لبنان في المشروع. هذا التوجه، الذي حظي بمباركة رئيس الجمهورية جوزاف عون، يُنظر إليه كتحول نوعي في مقاربة لبنان لعلاقاته الاقتصادية الخارجية، لكنه في الوقت نفسه يضعه عملياً في تقاطع مصالح أميركية وأوروبية وإسرائيلية، الأمر الذي قد يثير حساسيات إقليمية ويعيد خلط الأوراق داخلياً.
بالنسبة إلى دوائر سياسية متابعة، تبدو باريس اليوم اللاعب الخارجي الأكثر حضوراً في المشهد اللبناني، سواء عبر التحضير لمؤتمر دعم الجيش المقرر في الخامس من آذار في باريس، أو من خلال تحريك قنوات الدعم المالي والأمني. وفي هذا السياق، يُقرأ طرح الانضمام إلى “الممر الهندي” كجزء من سلة أوسع من التفاهمات، قد تشكل ثمناً سياسياً لضمان استمرار المظلة الفرنسية الداعمة للمؤسسات اللبنانية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.
تزامناً مع ذلك، عُقد في الناقورة اجتماع لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، المعروفة بـ”الميكانيزم”، برئاسة نائب رئيسها الجنرال الفرنسي فالنتين سيلير، في ظل غياب رئيسها الأميركي الجنرال جوزيف كليرفيلد. واقتصر الحضور على الممثلين العسكريين، في مؤشر فسّره مراقبون على أنه حصرٌ متعمّد للمداولات في الإطار الأمني، وتأجيل أي مسار تفاوضي سياسي أوسع إلى ما بعد اتضاح صورة المواجهة المحتملة مع إيران.
وعقب الاجتماع، انتقل الوفد العسكري إلى ثكنة الجيش في صور لعقد لقاء تنسيقي مع مسؤول منطقة جنوب الليطاني، في إطار متابعة آليات تثبيت وقف النار. إلا أن غياب الممثل المدني اللبناني عن الاجتماعات عكس توجهاً لإبقاء إدارة الملف الحدودي ضمن القنوات العسكرية حصراً، خصوصاً بعد رفض بيروت اقتراحاً أميركياً بتعديل آلية الاجتماعات أو نقلها إلى خارج الأراضي اللبنانية، باعتباره مساساً بالسيادة.
في الداخل، برزت حركة سياسية في عين التينة، حيث التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري مستشار رئيس الجمهورية، في اجتماع تناول التطورات العامة، لكنه حمل في طياته ملفين أساسيين: مؤتمر دعم الجيش ومسار الانتخابات النيابية. فبينما يتمسك بري بإجراء الانتخابات في موعدها، تتردد في الأوساط الدبلوماسية إشارات إلى رغبة بعض العواصم في تجنب استحقاق انتخابي في ظل اضطراب إقليمي واسع، ما يضع الاستحقاق بين خيار احترام المواعيد الدستورية أو تأجيل تفرضه حسابات خارجية.
أما على مستوى الموقف الأمني، فقد نقلت وكالة فرانس برس عن مسؤول في حزب الله أن الحزب لن يتدخل عسكرياً إذا اقتصر أي تحرك أميركي ضد إيران على ضربات محدودة، معتبراً أن استهداف المرشد الإيراني علي خامنئي يشكل “خطاً أحمر”. هذا الموقف يعكس محاولة واضحة لضبط إيقاع المواجهة ومنع انزلاق لبنان تلقائياً إلى حرب شاملة، مع إبقاء هامش رد مرتبط بحجم الضربة وطبيعتها.
وفي موازاة ذلك، كان الأمين العام للحزب نعيم قاسم قد شدد سابقاً على أن أي تهديد لإيران يطال محوراً كاملاً، ما يؤكد أن قرار الانخراط في أي مواجهة لن يكون منفصلاً عن حسابات إقليمية أوسع، وإن كان يجري التعامل معه بميزان دقيق لتفادي كلفة داخلية مرتفعة.
بهذا المعنى، يتقاطع المسار الاقتصادي مع الحسابات الأمنية. فـ”الممر الهندي” ليس مجرد مشروع نقل وتجارة، بل عنوان لإعادة تموضع محتملة للبنان في شبكة تحالفات جديدة. وبين سعي رسمي للاستفادة من فرص اقتصادية قد تخفف من أزماته البنيوية، وخشية من أن يتحول البلد إلى ساحة ضغط متقدمة في صراع أكبر، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة لبنان على إدارة هذا الانتقال من دون أن يُستدرج إلى مواجهة تتجاوز حدوده.
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يبدو لبنان واقفاً على تخوم مسارين متوازيين: مسار اقتصادي يعد بفرص انفتاح، ومسار أمني يهدد بانفجار واسع. وبينهما، تتحدد خياراته في ضوء توازنات دقيقة قد تعيد رسم موقعه في خريطة المنطقة.



