مقالات

جنيف الثالثة بين واشنطن وطهران: تسوية نووية مؤقتة أم بوابة تصعيد عسكري مفتوح؟

جنيف الثالثة بين واشنطن وطهران: تسوية نووية مؤقتة أم بوابة تصعيد عسكري مفتوح؟

مع اقتراب انعقاد جولة جنيف الثالثة بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتجاوز حدود الملف النووي لتشمل مجمل إدارة الأزمة بين الطرفين، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت المفاوضات قادرة على إنتاج تسوية جزئية تخفف حدة التوتر، أم أن التصعيد العسكري المتبادل سيقود إلى مواجهة يصعب احتواؤها.

المؤشرات السياسية الحالية توحي بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يزال يميل إلى خيار الاتفاق، شريطة أن يظهر كإنجاز سياسي مدعوم بالضغط والقوة، في حين يواجه في الوقت ذاته معادلة داخلية تتعلق بكلفة استمرار الحشد العسكري من دون نتائج ملموسة. في المقابل، تسعى طهران إلى تجنّب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة، لكنها ترفض تقديم تنازلات قد تُفسَّر داخلياً على أنها رضوخ للضغوط، ما يجعل جنيف محطة مفصلية قد تشكل فرصة لاحتواء التصعيد مؤقتاً وليس تسوية نهائية للأزمة.

داخل واشنطن، تعكس التسريبات المتداولة نقاشاً متواصلاً حول جدوى الخيارات العسكرية وحدود تأثيرها، رغم نفي وجود خلافات حادة داخل الإدارة بشأن إدارة الملف الإيراني. ويتركز الجدل، وفق المعطيات المتاحة، على كلفة استخدام القوة وتداعياتها الاستراتيجية، لا على القدرة العسكرية بحد ذاتها، خاصة في ظل الحشد الجوي والبحري الأميركي في المنطقة، الذي يتيح خيارات تبدأ بضربات محدودة وقد تتوسع إلى عمليات أطول وأكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، تحظى تقديرات المؤسسة العسكرية بأهمية متزايدة، إذ تشير تحليلات خبراء إلى أن بعض السيناريوهات العسكرية قد تكون طويلة ومكلفة وغير مضمونة النتائج، خصوصاً إذا تجاوزت أهدافها الإطار النووي إلى تغيير موازين القوة أو التأثير على بنية النظام السياسي، وهو أمر تُظهر التجارب التاريخية صعوبة تحقيقه عبر القوة الجوية وحدها.

أما على طاولة جنيف، فالتحدي لا يقتصر على حجم الفجوة بين موقفي الطرفين، بل يتصل بطبيعة الاتفاق الممكن في المرحلة الراهنة. فالتوقعات الواقعية ترجّح إمكانية التوصل إلى تفاهم محدود يركّز على الملف النووي، مثل إجراءات تتعلق بالتخصيب أو الرقابة، في حين تبقى ملفات أخرى شائكة خارج إطار المعالجة، وعلى رأسها الصواريخ والنفوذ الإقليمي. وهذا النوع من الاتفاق، رغم قدرته على خفض احتمالات الحرب مؤقتاً، قد يحمل في طياته عوامل توتر مستقبلية إذا لم تُعالج الملفات الأوسع.

على المستوى الإقليمي، يواكب التحرك الدبلوماسي حراك سياسي وأمني مكثف يعكس استعداداً لسيناريوهات متعددة، من فشل المفاوضات إلى احتمال التصعيد المحدود. وتتحرك عدة عواصم على مسارين متوازيين: دعم فرص التهدئة من جهة، والاستعداد لتداعيات أي مواجهة محتملة من جهة أخرى، في ظل إدراك متزايد بأن أي ضربة عسكرية، حتى وإن كانت محدودة، قد تفتح مساراً تصعيدياً يصعب ضبطه.

في المقابل، لا تظهر طهران كطرف يراهن حصراً على المسار التفاوضي، بل تتبنى مقاربة مزدوجة تقوم على التفاوض تحت سقف الاستعداد للأسوأ، وهو ما تعكسه تقارير عن تعزيز قدراتها الدفاعية والبحرية، في رسالة تهدف إلى رفع كلفة أي مواجهة محتملة، لا سيما في الممرات البحرية الحيوية. ويشير هذا التوجه إلى سعي إيراني للحفاظ على أوراق ردع استراتيجية في مواجهة الضغوط الأميركية، بما يعزز موقعها التفاوضي في مرحلة شديدة الحساسية.

وبالنظر إلى ما بعد جنيف، تتبلور ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول يتمثل في تحقيق اختراق محدود يمنح واشنطن إنجازاً سياسياً مرحلياً، ويوفر لطهران مخرجاً يحفظ توازنها الداخلي، ما يساهم في تأجيل المواجهة العسكرية. أما السيناريو الثاني فيقوم على فشل المفاوضات من دون تصعيد فوري، مع استمرار الضغط العسكري والإعلامي وترك باب التفاوض مفتوحاً تحت وطأة التهديد. في حين يبقى السيناريو الثالث مرتبطاً بإمكانية توجيه ضربة عسكرية محدودة لإعادة صياغة شروط التفاوض بالقوة، وهو خيار يحمل مخاطر تحول التصعيد إلى مسار أطول وأكثر استنزافاً لجميع الأطراف.

في المحصلة، لا تبدو جنيف الثالثة محطة لحل شامل للأزمة بقدر ما تمثل اختباراً لقدرة الدبلوماسية على منع الانفجار في المدى القريب، في ظل توازن دقيق بين منطق الردع العسكري ومحاولات احتواء التوتر عبر تفاهمات مرحلية قد تعيد رسم معادلة الصراع مؤقتاً دون إنهائه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce