مقالات

بين السلاح والدولة… هل يمنح ضعف المعارضة «حزب الله» أفضلية سياسية داخل بيئته؟

بين السلاح والدولة… هل يمنح ضعف المعارضة «حزب الله» أفضلية سياسية داخل بيئته؟

يتصدّر الجدل السياسي داخل الساحة الشيعية في لبنان سجالٌ متصاعد بين «حزب الله» ومعارضيه، يتخذ في كثير من الأحيان طابعًا حادًا على منصات التواصل الاجتماعي. ويظهر في هذا السجال خطّان متوازيان لا يلتقيان: الأول يتبنّى خطابًا دفاعيًا عن الحزب وحلفائه، ويذهب إلى حد اتهام المعارضين بالارتهان للخارج أو التآمر، فيما يركّز الثاني على دعم الأصوات المناهضة لـ«الثنائي الشيعي»، مع إبراز مواقفها السياسية وتقديمها كخيار بديل.

هذا الانقسام يعكس طبيعة الاصطفافات التقليدية في بلد تتداخل فيه السياسة مع البعد الطائفي، وقد تعمّق بعد الحرب الأخيرة، واشتدّ مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. وبينما يبقى الاختلاف السياسي وحق المعارضة من ركائز العمل الديمقراطي، فإن تخوين الناشطين أو تجريمهم يُعدّ مساسًا بحرية التعبير، ويقوّض ما تبقى من مساحات التعددية.

لكن الدفاع عن حق المعارضة لا يحجب في المقابل حق النقد. فمنذ عام 2005، يسير المسار السياسي المعارض لـ«حزب الله» في مسار متعثر، بلغ ذروته في المرحلة الراهنة، حيث تبدو أولويات الجنوبيين مختلفة عمّا يُطرح في الخطاب السياسي المتداول. فالمجتمع الشيعي، ولا سيما في الجنوب، يواجه تداعيات أمنية واقتصادية قاسية في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ويضع في مقدمة اهتماماته مسألتي الأمان وإعادة الإعمار.

يرى معارضو الحزب أن استمرار سلاحه يحول دون تحقيق الاستقرار ويؤخّر إعادة البناء، معتبرين أن حصر السلاح بيد الدولة هو المدخل الطبيعي لاستعادة الثقة. إلا أن هذا الطرح، على الرغم من وجاهته النظرية، يصطدم بغياب تصورات عملية واضحة تضمن حماية السكان أو تؤمّن مسارًا فعليًا لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

في المقابل، يلتقي خطاب الحزب ومعارضيه عند نقطة تحميل الدولة مسؤولية الأمن. الحزب يطرح الدولة كمرجعية، مع تشديده في الوقت نفسه على عجزها عن توفير الحماية في ظل الخروقات الإسرائيلية، وهو ما يتكرّر مع كل تصعيد ميداني. وقد واجه هذا الطرح كل من رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون خلال زياراتهما إلى الجنوب، حيث شددا على دور الدولة في بسط سلطتها، في ظل واقع أمني معقّد.

وتشير قراءة المرحلة التي تلت توقف العمليات العسكرية في تشرين الثاني 2024 إلى أن الهدنة لم تنجح في إعادة الاستقرار الكامل أو تمكين جميع الأهالي من العودة الآمنة إلى قراهم، ما عزز شعورًا عامًا بالقلق وعدم اليقين. وبين سردية الحزب حول “فشل الدولة” وسردية معارضيه حول “عبء السلاح”، يجد الجنوبيون أنفسهم أمام معادلة غير محسومة.

اللافت أن الخطاب المعارض، رغم حضوره الإعلامي، لم يقدّم حتى الآن بدائل ملموسة تشكّل ضمانة عملية للأمن أو إعادة الإعمار، سواء عبر مبادرات دبلوماسية فاعلة، أو تصورات لاتفاقات دفاعية، أو خطط تمويل واضحة في ظل القيود المفروضة. ويقتصر الجزء الأكبر من التحرك على النشاط الإعلامي ومنصات التواصل، من دون ترجمة سياسية أو تنفيذية على الأرض.

في المقابل، لا يمكن اختزال المزاج الشيعي بـ«حزب الله» وحده. فنتائج الحرب وتداعياتها طالت المجتمع بأسره، وأصابت الممتلكات والأرزاق والبنية الاجتماعية. ويبحث كثيرون عن ضمانات توقف النزيف وتؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار، بغض النظر عن الجهة التي ستقدّم هذه الضمانات، في ظل تراجع الثقة بالخطابين معًا.

وتتسع الفجوة بين طموحات شريحة من النخب الشيعية وخطاب المعارضة الذي يُتّهم أحيانًا بتحميل البيئة الحاضنة مسؤولية واقع معقّد يتداخل فيه العامل الإقليمي والدولي مع الحسابات المحلية. كما أن الطروحات التي تستعيد تحالفات تاريخية أو رهانات إقليمية قديمة لا تبدو منسجمة مع تحولات المشهد السياسي في المنطقة.

في ضوء ذلك، تبرز مقولة متداولة في الأوساط السياسية مفادها أن «حزب الله محظوظ بخصومه»، في إشارة إلى ضعف البدائل المطروحة حتى الآن. ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي مقبل، قد ينعكس الإحباط من أداء الحزب ومعارضيه على حد سواء في نسب المشاركة، في مشهد سياسي مفتوح على احتمالات متعددة، تتوقف مآلاته على قدرة الأطراف كافة على تقديم رؤية أكثر واقعية تلامس أولويات الناس اليومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce