
تصريحات هاكابي ودهشة ترامب: صمت عربي لافت وصمود إيراني يربك حسابات واشنطن
تصريحات هاكابي ودهشة ترامب: صمت عربي لافت وصمود إيراني يربك حسابات واشنطن
أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، التي تحدث فيها عن تصورات مرتبطة بحدود إسرائيل، موجة من الجدل السياسي والإعلامي في المنطقة، وسط ملاحظات عن خفوت الردود العربية وعدم صدور مواقف حاسمة توازي حساسية الطرح وتأثيره على قضايا السيادة والحدود في الشرق الأوسط.
وفي موازاة ذلك، برزت إشارات من داخل الإدارة الأميركية تعكس حالة من الاستغراب إزاء الموقف الإيراني، إذ أقرّ المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بأن الرئيس دونالد ترامب أبدى دهشته من استمرار تجاهل طهران للضغوط والإنذارات الأميركية، رغم الحشد العسكري والرسائل التصعيدية المتكررة. ويعكس هذا المشهد مفارقة واضحة بين صمود إيراني يوصف بالبارد والممنهج، وردود عربية بدت محدودة وغير مباشرة إزاء تصريحات تمسّ قضايا جوهرية في المنطقة.
وتشير القراءة السياسية للتصريحات الأخيرة إلى أن ما صدر عن السفير الأميركي لا يمكن فصله عن المناخ الفكري والسياسي السائد لدى تيارات في اليمين الأميركي، حيث تتقاطع الرؤى الجيوسياسية مع تصورات أيديولوجية تعطي أولوية مطلقة لتعزيز موقع إسرائيل في المنطقة. وبحكم موقعه الرسمي، يُنظر إلى كلامه على أنه يتجاوز كونه رأياً شخصياً، ليطرح تساؤلات حول مدى انعكاسه على توجهات السياسة الأميركية الأوسع.
وفي السياق نفسه، يرى مراقبون أن هذه التصريحات كان يمكن أن تشكّل مادة ضغط دبلوماسي للدول العربية، سواء عبر استدعاء السفراء الأميركيين أو المطالبة بتوضيحات رسمية، باعتبار أن مضمونها يرتبط مباشرة بقضايا الحدود والحقوق والسيادة. إلا أن ردود الفعل التي صدرت حتى الآن اتسمت بالحذر، ما فتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة الموقف العربي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
على الضفة الأخرى من المشهد، يبرز الملف الإيراني بوصفه التحدي الأبرز أمام استراتيجية الضغط التي تعتمدها إدارة ترامب. فبحسب معطيات دبلوماسية، فإن الرهان على إظهار القوة المفرطة لإجبار طهران على تقديم تنازلات سريعة لم يحقق النتائج المرجوة، إذ لم تُبدِ إيران استعداداً للرضوخ لشروط تتجاوز الملف النووي لتشمل برنامج الصواريخ ودورها الإقليمي.
ويُفسَّر هذا التماسك الإيراني بقدرة النظام على التكيّف مع الضغوط والعقوبات الممتدة منذ عقود، ما أدى إلى تطوير ما يشبه “مناعة سياسية” تجاه التهديدات العسكرية والاقتصادية، وجعل الاستجابة للإنذارات الأميركية بطيئة ومحسوبة. كما أن حسابات الحرب وتكاليفها المحتملة تبدو حاضرة بقوة في دوائر القرار في واشنطن، حيث يطرح تساؤل أساسي حول اليوم التالي لأي ضربة عسكرية واحتمالات انزلاقها إلى مواجهة طويلة وغير مضمونة النتائج.
في المقابل، لا تبدو غالبية دول المنطقة متحمسة لسيناريو الحرب الشاملة، في ظل مخاوف من تداعياتها على الاستقرار الإقليمي. وحتى مع استمرار الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، تشير المؤشرات إلى أن واشنطن تفضّل تحقيق مكاسب سياسية أو تفاوضية سريعة بدل الانخراط في صراع مفتوح قد يطول أمده ويستنزف القدرات.
وبين الجدل حول تصريحات هاكابي، وحسابات القوة الأميركية، وثبات الموقف الإيراني، تتشكل معادلة إقليمية معقدة عنوانها إعادة صياغة التوازنات في الشرق الأوسط، وسط تساؤلات متزايدة عن دور العرب في هذه المرحلة، وقدرتهم على تحويل الأزمات الدبلوماسية إلى أوراق قوة تعزز مواقعهم التفاوضية في النظام الإقليمي الذي يجري إعادة تشكيله.



