
سوريا تراهن على الاستثمار الأجنبي: التملك الكامل اختبار جديد لثقة الأسواق
سوريا تراهن على الاستثمار الأجنبي: التملك الكامل اختبار جديد لثقة الأسواق
في محاولة لكسر سنوات الانكماش الاقتصادي والعزلة المالية، تتجه سوريا نحو إعادة تموضع اقتصادي عبر قانون الاستثمار الصادر عام 2025، والذي يتيح للمستثمرين الأجانب التملك بنسبة 100% ويمنح حوافز ضريبية واسعة تصل في بعض القطاعات إلى الإعفاء الكامل. وتقدّم السلطات هذه الخطوة بوصفها تحولاً نوعياً في بيئة الأعمال، فيما يثير خبراء تساؤلات حول مدى قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب استثمارات أجنبية طويلة الأجل في ظل التحديات البنيوية القائمة.
القانون الجديد يتضمن، من الناحية النظرية، ضمانات أساسية لجذب الاستثمار، أبرزها حماية الملكية الخاصة، ومنع المصادرة، وحرية تحويل الأرباح، إضافة إلى عدم اشتراط وجود شريك محلي. وتنسجم هذه المبادئ مع المعايير الدولية التي تعتمدها هيئات مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، والتي تعتبر الاستقرار القانوني ووضوح القواعد التنظيمية عناصر حاسمة في استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر. غير أن التجارب الاقتصادية تشير إلى أن فعالية القوانين الاستثمارية تُقاس بقدرة المؤسسات القضائية على إنفاذها، ووضوح آليات التحكيم، وسرعة الفصل في النزاعات، وهي عناصر لا تزال موضع اختبار في الحالة السورية.
اقتصادياً، يرى مختصون أن الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي ما تزال واسعة، في ظل هشاشة البنية المؤسسية وتعقيدات البيئة التشغيلية. فبرغم انخفاض كلفة العمل والأصول ووجود فجوة طلب بعد سنوات من التراجع الاقتصادي، تبقى مخاطر عدم استقرار القواعد التنظيمية وتعدد مراكز القرار من العوامل التي تضعف ثقة المستثمرين وتحدّ من تدفق رؤوس الأموال الإنتاجية.
ويُعد السماح بالتملك الكامل للأجانب خطوة غير مسبوقة في السياق السوري، وتهدف بوضوح إلى تعزيز جاذبية السوق، إلا أن بعض القراءات الاقتصادية تحذّر من مخاطر محتملة تتعلق بالسيادة الاقتصادية، خصوصاً في حال دخول رؤوس أموال أجنبية إلى قطاعات استراتيجية من دون أطر رقابية وتنفيذية صارمة. فالمستثمر، وفق تقديرات خبراء، لا يركّز فقط على حق الملكية، بل على استقرار البيئة القانونية، وإمكانية التحويل المالي، وإنفاذ العقود عند النزاعات، وهي عناصر ما تزال تعاني من تحديات عملية.
كما يمنح القانون إعفاءات ضريبية واسعة لقطاعات مثل الزراعة والصحة، وحوافز كبيرة للصناعة، وهو ما قد يشكل عامل جذب أولي، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تشوّهات في توزيع الاستثمارات إذا لم يُربط برؤية تنموية متكاملة. ويخشى اقتصاديون أن تتحول هذه الحوافز إلى أداة لجذب استثمارات قصيرة الأجل تبحث عن أرباح سريعة، بدلاً من دعم مشاريع إنتاجية تسهم في إعادة بناء القاعدة الاقتصادية.
في المقابل، تبرز عقبات أخرى أمام المستثمرين، لا سيما ما يتعلق بالتحويلات المالية والامتثال المصرفي وتقلبات سعر الصرف، إضافة إلى ضعف البنية التحتية وصعوبة التسعير في بيئة اقتصادية غير مستقرة بالكامل. كما أن السماح باستقدام نسبة من العمالة غير السورية يفتح نقاشاً حول انعكاساته على سوق العمل المحلي الذي يعاني من معدلات بطالة مرتفعة وهجرة للكفاءات، وهي قضايا ترتبط بمعايير تتابعها منظمات دولية مثل منظمة العمل الدولية عند تقييم أثر الاستثمارات في الاقتصادات الهشة.
ويرى محللون أن نجاح القانون لن يتحقق بمعزل عن إصلاحات أوسع تشمل تعزيز الشفافية، مكافحة الفساد، تطوير النظام المصرفي، وتحسين البنية التحتية، إلى جانب ضمان استقلالية القضاء وتسريع آليات حل النزاعات. فالقوانين الاستثمارية، مهما بدت متقدمة على الورق، لا تتحول إلى أدوات فعالة إلا ضمن منظومة اقتصادية متكاملة ومستقرة.
وفي ظل غياب سوريا عن معظم مؤشرات التصنيف الدولية لبيئة الأعمال ومخاطر الاستثمار، تبقى الخطوة الجديدة بمثابة اختبار حقيقي لقدرة البلاد على تحويل الانفتاح القانوني إلى تدفقات استثمارية فعلية. وبين الخطاب الرسمي الذي يصف القانون بأنه نقلة نوعية، وواقع اقتصادي لا يزال هشاً، يظل المستثمر الأجنبي في موقع المراقب، بانتظار مؤشرات عملية تؤكد قابلية التطبيق وتحقيق الاستقرار التشغيلي على المدى الطويل.



