
نوّاف سلام بين رهان الخارج وتعقيدات الداخل: نجاح سيادي محدود وإخفاق اجتماعي يثير الجدل
نوّاف سلام بين رهان الخارج وتعقيدات الداخل: نجاح سيادي محدود وإخفاق اجتماعي يثير الجدل
حظي تكليف رئيس الحكومة نوّاف سلام بتشكيل الحكومة بترحيب سياسي محدود، رافقته في الوقت نفسه موجة حذر وترقب من قوى مختلفة، في مشهد يعكس طبيعة الانقسام اللبناني التقليدي. فبينما اعتبر بعض المؤيدين أن التكليف يشكّل إنجازاً سياسياً طال انتظاره، فضّلت قوى أخرى اعتماد مقاربة حذرة، مترقبة تطورات المشهدين الداخلي والخارجي قبل حسم موقفها النهائي.
هذا التباين في المواقف لم يكن قائماً على برنامج سياسي واضح بقدر ما ارتبط بقراءات متناقضة لمسار السلطة وتوازناتها. فالمعسكر المرحّب بنى توقعاته على آمال بتغيير سياسي، إلا أن بنيته بدت مفككة وغير منتظمة تنظيمياً أو برنامجياً، فيما اعتمد المعسكر المتوجس على مقاربة أكثر انضباطاً، مستنداً إلى قواعد شعبية وتنظيمية أكثر تماسكاً، ما أتاح له مراقبة أداء الحكومة بدقة واستثمار أي ثغرات في سياساتها.
الاختلاف البنيوي بين هاتين المقاربتين انعكس على إدارة الملفات الوطنية، ولا سيما القضايا السيادية والاجتماعية. وقد برز ذلك بشكل خاص في النقاش الدائر حول سلاح حزب الله وآليات التعامل معه، إلى جانب استمرار الأزمة الاجتماعية المتجذرة ضمن بنية النظام الطائفي، الذي اتُهم تاريخياً بإعادة إنتاج سياسات الإفقار وتوزيع المكاسب على النخب الطائفية على حساب الفئات الشعبية والموارد الوطنية.
يُنظر إلى رئيس الحكومة على أنه جاء من خارج الاصطفافات الأهلية المباشرة، إلا أنه في الوقت نفسه يتحرك ضمن منظومة النظام السياسي القائم، وهو ما تؤكده آلية تكليفه وتشكيل حكومته. ويترتب على ذلك قراءة أدائه من زاوية مدى انسجامه مع قواعد النظام ومصالح القوى المؤثرة فيه.
على الصعيد السيادي، سُجّل للحكومة نجاح موضعي تمثّل في ضبط سلاح حزب الله جنوب الليطاني، وهو تطور تحقق نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية، من بينها الضغوط الدولية، إلى جانب واقع بيئة جنوبية متضررة من الحرب والدمار، ما دفع القوى المحلية إلى القبول بخيارات تهدف إلى التقاط الأنفاس وإعادة الاستقرار النسبي. وقد جاء هذا النجاح في إطار شراكة موضوعية بين الداخل والخارج، وبفهم من رئاسة الجمهورية لحساسية التوازنات التي تحكم القرارات السيادية.
في المقابل، برزت الإشكالية الأبرز في الملف الاجتماعي، حيث أثار قرار تصحيح الرواتب، وما رافقه من فرض رسوم وضرائب لتمويله، انتقادات واسعة، إذ اعتُبر أن كلفته انعكست مباشرة على المواطنين. ويُنظر إلى هذه السياسة بوصفها مؤشراً على تموضع اقتصادي أقرب إلى مصالح القوى النافذة، في ظل غياب معارضة شعبية فاعلة قادرة على فرض توازن في الشارع أو الضغط باتجاه سياسات اجتماعية بديلة.
كما استفادت الحكومة من ضعف الحراك الشعبي المنظم، مقارنة بمحطات تاريخية سابقة شهد فيها لبنان ضغوطاً شعبية واسعة، الأمر الذي خفّف من كلفة القرارات الاقتصادية والاجتماعية، وساهم في تمريرها بدعم ضمني من القوى الحاكمة التي رأت في المسار الحكومي امتداداً لتوازنات النظام القائم.
في المحصلة، تشير المعطيات إلى أن أي تغيير فعلي في السياسات العامة لن يتحقق من أعلى الهرم السياسي وحده، بل يتطلب وجود حركة شعبية منظمة، ذات رؤية واضحة وبرامج محددة وأطر تنظيمية قادرة على التأثير في القرار العام. فالتجارب السابقة أظهرت أن العفوية السياسية ورفض التنظيم أدّيا إلى إضعاف الحراك الشعبي، في حين أن التغيير المستدام يحتاج إلى بنية سياسية واجتماعية متماسكة تنطلق من الأرض لا من الرهانات الفوقية، سواء ارتبطت بشخص رئيس الحكومة الحالي أو بغيره.



