مقالات

زيادة رواتب القطاع العام تُشعل الإضرابات: ضرائب جديدة تثير غضب الموظفين وتحذيرات من تضخم إضافي

زيادة رواتب القطاع العام تُشعل الإضرابات: ضرائب جديدة تثير غضب الموظفين وتحذيرات من تضخم إضافي

أثار قرار مجلس الوزراء رفع رواتب موظفي ومتقاعدي القطاع العام جدلاً واسعاً، بعدما تبيّن أن تمويل هذه الزيادات سيأتي عبر فرض ضرائب جديدة تطال مختلف فئات المجتمع، ما انعكس توتراً بين المواطنين والموظفين الذين رفضوا تحميلهم مسؤولية الأعباء المالية الناتجة عن القرار. ورأى معنيون أنّ الضرائب المفروضة ستؤدي عملياً إلى امتصاص الزيادة عبر ارتفاع معدلات التضخم والأسعار، ما يحدّ من أثرها الفعلي على القدرة الشرائية.

وفي مواجهة هذه الخطوة، أعلنت رابطة موظفي الإدارات العامة ولجنة المتعاقدين التوقف عن العمل ليومين، احتجاجاً على ما وصفوه بسياسات ضريبية مجحفة تمسّ المواطنين بشكل مباشر. وأكدت الجهات النقابية أن التحرك يأتي تضامناً مع المواطنين ورفضاً لتمويل الزيادة من جيوبهم، معتبرة أنّ الحكومة كان بإمكانها اللجوء إلى مصادر تمويل بديلة عبر ضبط الإيرادات ووقف الهدر بدل فرض ضرائب على البنزين والسلع الأساسية والرسوم الجمركية وزيادة نسبة الضريبة على القيمة المضافة.

ويأتي هذا التصعيد في ظل مسار طويل من المطالبات برفع الرواتب نتيجة تدهور القدرة الشرائية بفعل الانهيار الاقتصادي والتضخم، حيث كثّف الموظفون والمتقاعدون تحركاتهم بالتزامن مع مناقشة موازنة 2026، ما دفع الحكومة إلى التعهد بإقرار الزيادة. إلا أن تنفيذ القرار عبر حزمة ضرائب أشعل موجة اعتراضات، إذ اعتبر الموظفون أنّ السلطة السياسية تحاول تحميل القطاع العام مسؤولية الأزمة المالية بدل معالجة الخلل في إدارة المال العام وتعزيز الشفافية.

مصادر نقابية أشارت إلى أن الإضراب لن يكون خطوة معزولة، بل قد يتبعه تصعيد تدريجي في حال عدم التراجع عن السياسات الضريبية الحالية، مؤكدة أن التحركات تهدف إلى الضغط لإيجاد مصادر تمويل بديلة تستهدف مكامن الهدر والفساد بدل فرض أعباء إضافية على المواطنين.

اقتصادياً، يرى خبراء أن تمويل الزيادات عبر الضرائب كان متوقعاً في ظل إقفال أبواب التمويل التقليدية بعد الأزمة المالية وتوقف إمكانية الاستدانة من الأسواق العالمية أو الاعتماد على أدوات الدين الداخلي كما كان يحدث قبل عام 2019. كما أن خيار طباعة العملة أثبت سابقاً أنه يؤدي إلى ارتفاع التضخم وتراجع قيمة الليرة، ما ينعكس سلباً على الرواتب نفسها.

ورغم الإقرار بأحقية تحسين الأجور لمواكبة الغلاء، يبرز طرح إعادة هيكلة القطاع العام كأحد الحلول الأساسية، خصوصاً مع تضخم عدد الموظفين خلال العقود الماضية نتيجة التوظيفات السياسية والإدارية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن نسبة كبيرة من العاملين في القطاع العام لا تتمتع بإنتاجية فعلية، ما يفرض إصلاحاً هيكلياً يوازن بين تحسين الأجور ورفع كفاءة الإدارة.

في المحصلة، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام حلقة اقتصادية مفرغة: زيادات في الرواتب يقابلها ارتفاع في الضرائب والأسعار، ما يفاقم التضخم ويضعف الاقتصاد المنتج، خصوصاً مع انعكاس الضرائب على كلفة الإنتاج والطاقة. وبين الحاجة الاجتماعية لتحسين الأجور ومتطلبات الاستقرار المالي، يبدو أن تداعيات القرار لن تقتصر على الإضرابات، بل قد تمتد إلى ضغوط تضخمية إضافية تستنزف الاقتصاد وتفرض تحديات مالية جديدة في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce