مقالات

المعارضة الشيعية تستعد لمعركة انتخابية حساسة لكسر احتكار التمثيل وسط تحديات سياسية وأمنية

المعارضة الشيعية تستعد لمعركة انتخابية حساسة لكسر احتكار التمثيل وسط تحديات سياسية وأمنية

تتجه الأنظار إلى الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان مع تصاعد تحركات المعارضة الشيعية التي تسعى إلى كسر احتكار الثنائي المكوَّن من «حزب الله» و«حركة أمل» للتمثيل النيابي الشيعي، في معركة يُتوقع أن تتركز بشكل أساسي في ثلاث دوائر انتخابية من أصل خمس عشرة، حيث قد يتيح التنوع الطائفي للناخبين وطبيعة التحالفات المحتملة فرصاً لتحقيق خروقات محدودة في المشهد السياسي القائم.

ويُعدّ التمثيل الشيعي في البرلمان اللبناني متمثلاً بـ27 مقعداً من أصل 128، موزعين على ثماني دوائر انتخابية، وقد تمكن الثنائي الشيعي خلال السنوات الماضية من الحفاظ على سيطرته الكاملة على هذه المقاعد بفضل تحالفه المتماسك وقوة حضوره التنظيمي والانتخابي، ما يجعل أي محاولة لاختراق هذا الواقع مهمة معقدة سياسياً وانتخابياً.

غير أن التطورات الأمنية، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة واحتلال نقاط في جنوب لبنان، أسهمت في تعزيز شعور عام داخل البيئة الشيعية بأنها مستهدفة بشكل مباشر، الأمر الذي قد يدفع إلى مزيد من الالتفاف حول القوى التقليدية، وهو عامل يرجّح خبراء أن ينعكس في صناديق الاقتراع عبر استمرار احتفاظ الثنائي بالحصة الشيعية، رغم وجود أصوات معارضة داخل الطائفة.

كما يشكّل إسقاط حق اقتراع المغتربين من بلدان الاغتراب تحدياً إضافياً أمام المعارضة الشيعية، التي ترى في أصوات المغتربين عاملاً أكثر تحرراً من الضغوط الاجتماعية والسياسية المحلية، ما كان يمكن أن يعزز حظوظها الانتخابية في حال الإبقاء على هذا الحق.

وبحسب تقديرات بحثية، فإن المعارضة الشيعية حصلت في انتخابات عام 2022 على نحو 8.5 في المائة من الأصوات الشيعية مقابل أكثر من 90 في المائة للثنائي، إلا أن هذه النسبة لم تترجم إلى مقاعد نيابية بسبب ارتفاع الحواصل الانتخابية في الدوائر ذات الغالبية الشيعية، والتي قد تصل إلى نحو 19 ألف صوت للمقعد الواحد، وهو رقم يصعب بلوغه من دون تحالفات واسعة وعابرة للطوائف.

ويرى متابعون أن احتمال تحقيق أي خرق انتخابي يبقى مرتبطاً بشكل أساسي بقدرة المرشحين المعارضين على بناء تحالفات مع قوى سياسية من طوائف أخرى، لا سيما في ظل تشتت الصوت السني بعد غياب تيار «المستقبل»، ما يزيد من أهمية الأصوات المسيحية في بعض الدوائر المختلطة، مثل بعلبك – الهرمل، وبعبدا، وكسروان – جبيل. ومع ذلك، فإن توجيه أصوات حزبية وازنة نحو مرشحين معارضين شيعة قد يفرض حسابات سياسية دقيقة تتعلق بالمكاسب والخسائر داخل التوازنات الطائفية.

في المقابل، يسعى المعارضون الشيعة إلى خوض الاستحقاق الانتخابي ضمن إطار سياسي أوسع يتجاوز البعد الطائفي، من خلال تشكيل حالة وطنية عابرة للطوائف، بدلاً من ترشيحات فردية متفرقة، انطلاقاً من قناعة بأن المواجهة الانتخابية لا يمكن أن تكون فعالة من دون تحالفات واضحة وبنية تنظيمية قادرة على مجاراة الماكينات الانتخابية التقليدية.

ويؤكد ناشطون معارضون أن هدفهم لا يقتصر على المنافسة داخل البيئة الشيعية فحسب، بل يرتبط بطرح مشروع سياسي يقوم على تعزيز مفهوم الدولة الواحدة وحصرية السلاح بيدها، إضافة إلى الدفع نحو إدارة شفافة للمال العام، مع الانفتاح على التنسيق مع قوى إصلاحية وسيادية تتقاطع مع هذا التوجه. وبحسب هذه الرؤية، فإن المعركة الانتخابية تُطرح بوصفها مواجهة سياسية حول مشروع الدولة، لا صراعاً داخل الطائفة بحد ذاتها.

وعلى مستوى الدوائر الانتخابية، يتركز رهان المعارضة على تحقيق خروقات في دوائر الجنوب الثالثة التي تضم النبطية وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا، إضافة إلى دائرتي بعبدا وكسروان – جبيل، مع إقرار صريح بصعوبة تحقيق اختراقات كبيرة في ظل المعطيات الحالية. ومع ذلك، يعتبر المعارضون أن رفع نسبة التصويت الاعتراضي وتثبيت حضور سياسي منظم يشكّلان بحد ذاتهما تحولاً سياسياً مهماً، حتى لو لم يُترجم ذلك مباشرة إلى مقاعد نيابية.

وفي ضوء المشهد العام، تبدو حظوظ الخرق الانتخابي غير مضمونة، في ظل تماسك القاعدة الشعبية للثنائي الشيعي، وارتفاع الحواصل الانتخابية، وتعقيدات التحالفات العابرة للطوائف، إضافة إلى تأثير التطورات الإقليمية والأمنية على المزاج الانتخابي، ما يجعل المعركة المقبلة اختباراً سياسياً بالغ الحساسية يتجاوز حدود المنافسة التقليدية على المقاعد النيابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce