
جنبلاط والدروز وحكمة التوحيد
جنبلاط والدروز وحكمة التوحيد
منير الربيع-المدن
في العام 2014، خرج وليد جنبلاط بتصريح فاجأ الكثيرين في لبنان وعلى مستوى العالم العربي والغربي. رفض يومها وصف “جبهة النصرة” بالإرهابية، وقال إن عناصرها مواطنون سوريون يقاتلون ضد نظام بشار الأسد. قبلها بسنوات كان له تصريح عن ترحّمه على أيام السلطنة العثمانية والعيش في زمن الامبراطورية، بما تعنيه طبعاً من اتساع للأفق والجغرافيا، ومن حماية مميزات وخصوصيات المكونات، وطبعاً تبقى هذه مسألة إشكالية بالنسبة إلى الكثير من الشعوب والمجتمعات. لكن عندما يقولها وليد جنبلاط فيكون لها معنى وأثر، تتصل بعلاقته مع “المديات الأبعد” من الحدود الصغرى.
عند صراع الدول…
في التصريحين، يمكن الاعتبار أن جنبلاط قد سبق عصره. فمن كان في جبهة النصرة وصل إلى الحكم في سوريا وأصبح رئيساً لها باعتراف المجتمعين العربي والدولي. أما المدى الأوسع والأرحب فهو يستشرفه بناء على مشروع إقليمي يتبلور في التعاون بين الدول، خصوصاً أن سوريا هي نقطة الارتكاز في تحولها إلى مساحة التقاء ما بين تركيا من جهة والخليج العربي من جهة أخرى، وهو ما يمكن من خلاله النظر إلى بداية تبلور مشروع إقليمي وعربي في مواجهة مشروع إسرائيلي يسعى إلى تصغير الكيانات أو تفتيتها. إحدى العبارات المشهورة عنه أيضاً، هي تلك التي يقول فيها “عند صراع الدول” احفظ رأسك. مبدأ الحماية هنا لا يكون بالتحول إلى رأس حربة في المواجهة، خصوصاً إذا كانت هذه المواجهة مع المحيط العربي والإسلامي أو مع الدولة التي تنتمي إليها الجماعة وتقطن داخل جغرافيتها.
خصوصية الدروز
ذلك ما يركز عليه جنبلاط بشدة، وكرره عندما توجه قبل أيام لرئيس طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل الشيخ موفق طريف، داعياً إياه إلى الاهتمام بشؤون الطائفة الدرزية في الداخل الفلسطيني، والتركيز على الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليس من الضرورة أن يدعو طريف الدروز الى الالتحاق بإسرائيل ومشروعها، موجهاً إليه رسالة بأنه ليس من مقامه أن يكون ملحقاً بالحريديم. ولطالما دعا جنبلاط إلى الحفاظ على خصوصية الدروز حيث هم موجودون، سواء في فلسطين، أو سوريا أو لبنان، وهو لا يريد للشيخ طريف أن يتدخل بشؤون الدروز في لبنان أو سوريا.
الدروز والمنظور الأوسع
ينظر جنبلاط إلى الدروز ودورهم بمنظور أوسع وأبعد من الطائفة، بخلاف ما يسعى البعض إلى تصويرهم أو وضعهم في إطار أقلوي. لم يكن الدروز يوماً أقلية، مسألة دورهم وتأثيرهم في دول المنطقة غالباً ما تتجاوز مسألة العدد أو الانتماء الطائفي حتى. ودرجت التجربة أنه حين يتصرفون كأقلية يصبحون محاصرين ومهددي الوجود، أما حين يفخرون بتمايزهم وحفاظهم على هويتهم الخاصة، ولكن ضمن انتمائهم الحضاري العربي والإسلامي، يبرز ازدهارهم السياسي وإنتاجهم الذي يغني محيطهم، وهو ما اضطلع به الأمير شكيب أرسلان، الذي عمل على تثبيت تحقق الهوية الثقافية والدينية والسياسية للدروز ضمن مجتمعاتهم الإسلامية والعربية. فأصل مبدأ التوحيد هو هذا الجمع بين المذاهب والأفكار والفلسفات وكيفية سوسها اجتماعياً.
البعد العروبي والإسلامي
كان شكيب أرسلان من أعلام النهضة العربية والإسلامية. فهو، وبوعي توحيدي كامل، أدرك أهمية الرابطة الإسلامية والعربية للنهوض بشعوب المنطقة، وملاقاة تطلعات التطور والعصر الحديث، والاندماج فيه ككتلة اجتماعية متجانسة ومتراصة، لا كأقليات وطوائف ومذاهب. فاختار الرحابة الإسلامية والعربية على الضيق الأقلوي الذي يقيم في خوف دائم. علم آخر من أعلام التجديد والتماهي الدرزي مع القضايا العرب، هو كمال جنبلاط الذي يمثل إرثاً فكرياً وثقافياً فعلياً لما تركه شكيب أرسلان، فأخذ هذا الإرث إلى بعده الانساني والأممي، وهو الذي حمل القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين، من دون إنكار البعد العروبي والإسلامي، أو البعد الدرزي.
في صلب التراث
تاريخياً، الدروز هم من العرب الأقحاح منذ أيام التنوخيين، وهم أساس القيسية واليمنية، ولطالما كانوا نقاط الارتكاز الأساسية بالنسبة إلى الدول العربية الكبرى أو الامبراطوريات. فكانوا حماة الثغور في وجه الحروب الإفرنجية. ولذلك فم جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية وجزء أساسي من نواتها إثنياً وعقائدياً، كما أنهم جزء لا يتجزأ من حركة العقل الإسلامي، وفي صلب تراث السجالات الكبرى في الحكمة والفلسفة والإيمان، وهم الجماعات الشجاعة في القتال والذين كان يتم الارتكاز عليهم لصد كل الغزوات التي تعرضت لها المنطقة العربية، وخصوصاً المشرق العربي.



