مقالات

بين بعبدا والضاحية والسراي… تقارب محسوب تحت الاختبار ورسائل نارية من تل أبيب

بين بعبدا والضاحية والسراي… تقارب محسوب تحت الاختبار ورسائل نارية من تل أبيب

لم تكن زيارة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد إلى قصر بعبدا حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل شكّلت محطة سياسية لافتة في سياق إعادة ضبط العلاقة بين رئاسة الجمهورية وحزب الله، بعد مرحلة من الفتور كادت تنزلق إلى مواجهة مفتوحة في الخطاب. العلاقة التي لم تنقطع يوماً، شهدت في الأسابيع الأخيرة توتراً صامتاً استدعى مقاربة مباشرة أعادت فتح قنوات التواصل على مستوى أعلى.

اللقاء، وفق مصادر متابعة، لم يحتج إلى وساطات أو ضغوط، بل ارتبط بعامل التوقيت والظروف الأمنية الخاصة التي يعتمدها رعد. ومع توافر المناخ الملائم، انعقد الاجتماع الذي اتخذ طابع المصارحة أكثر من المصالحة. ورافق رعد الدكتور أحمد مهنا، الذي كُلّف حديثاً بمهمة المندوب الدائم للحزب لدى القوى السياسية، في خطوة تعكس إعادة تنظيم التواصل السياسي، ولا سيما مع رئاسة الجمهورية، حيث فُعّلت القناة القائمة سابقاً بين مهنا ومستشار الرئيس العميد المتقاعد أندريه رحال، لتصبح أكثر انتظاماً وانفتاحاً على التطورات.

في مستهل اللقاء، جدّد رعد التأكيد على ثقة الحزب برئيس الجمهورية، مستعيداً مشهد التصويت الذي منح فيه الثنائي الشيعي أصواته كاملة لانتخاب جوزاف عون رئيساً، في رسالة مفادها أن الغطاء السياسي لم يُسحب. إلا أن النقاش لم يخلُ من التباينات، إذ تناول الطرفان مجموعة من المصطلحات والمواقف التي أثارت حساسية داخل بيئة الحزب، خصوصاً بعض العبارات التي اعتُبرت ذات دلالات رمزية في أدبياته، وأخرى فُهمت على أنها تحمل إشارات سياسية تتجاوز سياقها التقني.

الرئيس من جهته أوضح أن بعض التعابير صيغت من قبل مستشارين ولم يكن مدركاً لخلفياتها الرمزية، مؤكداً أنه لم يقصد أي إساءة، ولا سيما في ما يتعلق بمصطلحات ذات طابع عسكري تقني جرى تفسيرها سياسياً. في المقابل، عبّر عن انزعاجه من حملات تحريض استهدفته من جهات محسوبة على الحزب، مشيراً إلى أنه لم يلجأ إلى أي إجراء قضائي. كما أثيرت مواقف للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم فُهمت على أنها موجهة ضد الرئاسة، قبل أن يوضح رعد أنها تستهدف حصراً الدعوات إلى نزع سلاح الحزب بالقوة، لا موقع الرئاسة.

المناخ الإيجابي تُرجم لاحقاً في خطاب الشيخ قاسم خلال مناسبة حزبية، حيث شدد على العلاقة مع الرئيس وحذّر من محاولات الوقيعة، في إشارة اعتُبرت تثبيتاً لخط التهدئة. ولم تقتصر ارتدادات هذا التقارب على بعبدا، بل انسحبت أيضاً على العلاقة مع رئيس الحكومة نواف سلام. فقد صوّت الحزب لمصلحة موازنة 2026 في لحظة سياسية حساسة، في خطوة قرأها مراقبون على أنها سعي إلى تثبيت موقعه كشريك في الاستقرار الحكومي وتفادي اتهامه بعرقلة عمل السلطة التنفيذية.

زيارة سلام إلى الجنوب وما رافقها من وعود بإعادة الإعمار جاءت ضمن هذا السياق، إذ لقيت ترحيباً من الحزب عكس استعداداً لمنح الحكومة فرصة مقاربة الملفات الحساسة، وفي مقدمها ملف حصر السلاح. ويبرز هنا توجّه للاستفادة من هذا المناخ لتحسين شروط التفاوض داخلياً وخارجياً، مع إدراك أن أي تقارب مع العهد يوسّع هامش الحركة السياسية.

في المقابل، تابعت إسرائيل هذه التطورات بحذر وتصعيد ميداني. فالتقديرات في تل أبيب تشير إلى أن الحزب يسعى إلى إعادة وصل علاقته بالسلطة اللبنانية والتظلل بها، فيما تعمل الأخيرة على إدارة الخلاف داخلياً. وقد تزامن ذلك مع عمليات عسكرية إسرائيلية جنوباً، شملت توغلاً وخطفاً واغتيالات، في رسائل ربطت بين نشاط المقاومة ومؤسسات الدولة، في محاولة لتكريس معادلة الفصل بينهما وتحميل الحزب مسؤولية أي تصعيد.

ويُربط هذا السلوك الإسرائيلي أيضاً بمسار التفاوض الأميركي مع إيران، حيث تتصرف تل أبيب على قاعدة توقع ضربة محتملة، وتسعى إلى إبقاء حزب الله بعيداً عن أي اندفاعة سياسية داخلية قد تعزز موقعه. كما نُقلت رسائل تحذيرية إلى الحكومة اللبنانية مفادها أن أي انخراط للحزب في مواجهة إقليمية سيُعدّ بمثابة إدخال لبنان في الحرب، من دون تحييد بنيته التحتية عن الاستهداف.

رغم مؤشرات التهدئة بين بعبدا والسراي والضاحية، يبقى المشهد مفتوحاً على اختبارات قاسية، أبرزها ملف حصر السلاح شمال الليطاني واحتكار الدولة لاستخدامه. فهذه الاستحقاقات ستحدد ما إذا كان التقارب الحالي سيتحول إلى مسار ثابت، أم أن الاشتباك السياسي سيعود بأدوات أكثر حدة في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce