مقالات

مصر بين مبارك والسيسي: كيف تحوّل الجيش من ضامن أخير للدولة إلى شرط يومي لبقاء السلطة

مصر بين مبارك والسيسي: كيف تحوّل الجيش من ضامن أخير للدولة إلى شرط يومي لبقاء السلطة

تُظهر لحظة 11 شباط/فبراير 2011، حين تنحى حسني مبارك، طبيعة العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية في مصر. لم يكن قرار الجيش بالتحرك للشارع تعبيراً عن دعم للحكم أو انحياز للشعب، بل خطوة استراتيجية لحماية الدولة وضمان استقرار المؤسسة العسكرية، حتى لو تطلب ذلك التضحية بالرئيس نفسه. في عهد مبارك، حافظ الجيش على استقلاليته المؤسسية، مكتفياً بالدور الأمني والعسكري، مع ترك المجال السياسي والاقتصادي للرئاسة، ما جعله الضامن الأخير للدولة عند الأزمات الكبرى، دون الانخراط في السياسة اليومية أو إدارة الشأن العام.

على النقيض، شكّل انقلاب يوليو 2013 تحت قيادة عبد الفتاح السيسي تحولاً جذرياً في العلاقة بين الجيش والسلطة. لم يعد الجيش مجرد ضامن أخير، بل أصبح شرطاً مسبقاً لاستقرار النظام نفسه. اعتمد السيسي سياسة دمج الجيش في صلب الحكم، عبر تدوير مستمر في المناصب الحساسة لتفكيك أي مركز قوة موازٍ، وتعيين قيادات مرتبطة مباشرة بالرئاسة، فضلاً عن تعديل الإطار الدستوري لضمان ولاء المؤسسة العسكرية وربط بقاء الدولة ببقاء السلطة.

هذا التحول شمل أيضاً البعد الاقتصادي، حيث توسعت المؤسسة العسكرية لتصبح لاعباً أساسياً في المشروعات القومية والبنية التحتية، مع إعفاءات واسعة واستخدام قوة العمل العسكرية في الأنشطة التجارية، ما عزز السيطرة على الموارد ودمج الجيش في الاقتصاد الوطني بشكل غير مسبوق. كما طُبقت آليات عسكرة إدارية وتعليمية لضمان اندماج القوات المسلحة في كافة جوانب الدولة، حتى صارت السيطرة العسكرية شرطاً يومياً لاستمرارية النظام وليس فقط آلية طوارئ.

بمقارنة العهدين، يمكن القول إن مصر انتقلت من منطق يعترف بحدود القوة، حيث يكون الجيش ضامناً أخيراً للدولة، إلى نموذج يسعى إلى إزالة هذه الحدود، وتحويل الجيش إلى طرف مسؤول عن السياسة والاقتصاد والمجتمع، بحيث يصبح مصير الدولة والسلطة متشابكاً في يد المؤسسة العسكرية. هذا التحول يعكس فلسفة حكم تستثمر القوة العسكرية كآلية دائمة للحفاظ على السلطة، بدلاً من الاعتماد على الجيش كملاذ أخير عند الأزمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce