مقالات

كيف يحاول نتنياهو قراءة عقل ترامب قبل صفقة إيران؟ حسابات معقّدة بين البراغماتية والضغط

كيف يحاول نتنياهو قراءة عقل ترامب قبل صفقة إيران؟ حسابات معقّدة بين البراغماتية والضغط

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى استباق أي تفاهم محتمل بين واشنطن وطهران، عبر تحرك مبكر نحو البيت الأبيض ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حاملاً تصوراً واضحاً لشروط إسرائيل في أي صفقة مرتقبة مع إيران.

الدوائر الإسرائيلية تشير إلى أن نتنياهو يطمح إلى دفع الإدارة الأميركية نحو اتفاق يتضمن تفكيكاً كاملاً للبرنامج النووي الإيراني، وفرض قيود صارمة على الصواريخ الباليستية بحيث لا يتجاوز مداها 300 كيلومتر، إضافة إلى تقويض النفوذ الإقليمي لطهران. غير أن القلق داخل إسرائيل لا يقتصر على مضمون الاتفاق، بل يمتد إلى طبيعة شخصية ترامب نفسه، الذي يُعرف بنزعته إلى إبرام الصفقات السريعة إذا رأى فيها مكسباً سياسياً أو شخصياً.

هذا القلق يرتبط بطريقة صناعة القرار في البيت الأبيض خلال عهد ترامب، والتي لا تنسجم دائماً مع النموذج التقليدي القائم على الحسابات المؤسسية البحتة. فرغم أن الأدبيات السياسية تفترض أن القرارات تُتخذ وفق معايير عقلانية توازن بين الكلفة والعائد، إلا أن التجربة مع ترامب أظهرت أن العامل الشخصي يلعب دوراً محورياً، سواء لجهة قناعاته الذاتية أو أسلوبه القيادي.

يُصنّف ترامب ضمن نمط القادة الذين يفضلون الإمساك المباشر بالملفات الحساسة، ويرون السياسة الدولية من زاوية تنافسية حادة. في هذا الإطار، يتعامل مع التفاوض بوصفه ساحة اختبار للقوة، حيث يُنظر إلى التنازل كإشارة ضعف. لذلك يسعى قادة دول عدة، ومن بينهم نتنياهو، إلى مخاطبته مباشرة ومحاولة التأثير في دائرة قراره الشخصي قبل أن تتبلور أي تفاهمات نهائية.

في الوقت نفسه، يُعرف ترامب بنزعته إلى اتخاذ قرارات كبرى انطلاقاً من قناعات فورية، متجاوزاً أحياناً المسارات البيروقراطية التقليدية. هذا ما يثير مخاوف إسرائيل من احتمال أن يختار الرئيس الأميركي تسوية جزئية مع إيران إذا اعتبرها إنجازاً سياسياً يعزز صورته كصانع صفقات أو كزعيم قادر على تهدئة التوترات الإقليمية.

كما ينظر ترامب إلى التحالفات الدولية من منظور تجاري يقوم على حسابات الربح والخسارة. فبالنسبة إليه، لا تقوم الشراكات على ثوابت دائمة، بل على ما تحققه من منفعة مباشرة للولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، يستخدم أحياناً ورقة إعادة تقييم الالتزامات الأميركية للضغط على الحلفاء، ما يفرض عليهم إقناعه بأن أي خطوة تخدم أيضاً المصالح الأميركية.

مع ذلك، لا تعني مركزية الدور الشخصي غياب تأثير المؤسسات بالكامل. ففي ملفات حساسة كالعلاقة مع إسرائيل أو التفاوض مع إيران، تبقى هناك اعتبارات استراتيجية أوسع، تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها. وقد أظهرت تجارب سابقة أن قرارات التصعيد أو التهدئة مع طهران لم تكن محكومة حصراً بالاندفاع الشخصي، بل خضعت أيضاً لتقديرات مؤسساتية تتعلق بتداعيات أي مواجهة مفتوحة.

انطلاقاً من ذلك، ترى أوساط متابعة أن نجاح نتنياهو في التأثير على مسار صفقة إيران يرتبط بقدرته على تقديم مطالبه بوصفها جزءاً من مصلحة أميركية أوسع، لا مجرد أولوية إسرائيلية. فترامب، الذي يميل إلى احترام من يطرح نفسه نداً قوياً، يتجاوب أكثر مع من يخاطبه بلغة المصالح المتبادلة لا بلغة الاستجداء السياسي.

في المحصلة، يشكّل فهم شخصية ترامب مفتاحاً أساسياً لقراءة مسار أي اتفاق محتمل مع إيران. وبين الحسابات الأمنية الإسرائيلية والبراغماتية الأميركية، يبقى مستقبل الصفقة مرهوناً بقدرة الأطراف على التكيّف مع أسلوب رئيس أميركي يرى في السياسة الدولية ساحة صفقات، لا مجرد توازنات تقليدية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce