مقالات

الصين تختار شتورة منصة إقليمية لإطلاق مشاريع إعمار سوريا

الصين تختار شتورة منصة إقليمية لإطلاق مشاريع إعمار سوريا

يتقدّم الدور الصيني في ملف إعادة إعمار سوريا بخطوات هادئة لكن مدروسة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تحركات اقتصادية تتجاوز الجغرافيا السورية مباشرة. فقد برزت بلدة شتورة في البقاع اللبناني كنقطة ارتكاز جديدة للاستثمارات الصينية، بعد إعلان مجموعة “GCI” التي تضم 25 شركة كبرى اتخاذها مقراً إقليمياً ولوجستياً لإدارة نشاطها في الشرق الأوسط وأفريقيا، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز مفهوم العبور أو القرب الجغرافي.

التحرك الصيني يتزامن مع مؤشرات سياسية ودبلوماسية لافتة، من بينها تزايد التواصل بين بكين ودمشق، وقراءات تتحدث عن مرحلة جديدة في مقاربة الصين لملف الإعمار، تقوم على الاستثمار طويل الأمد بدل المساعدات الظرفية. وفي هذا الإطار، يؤكد القيمون على المجموعة أن اختيار لبنان لم يكن تفصيلاً عابراً، بل استند إلى موقعه المحوري وقدرته على لعب دور إداري وتنظيمي في مشاريع إقليمية كبرى، رغم أزماته المتراكمة.

وتعكس الرؤية الصينية، وفق ما يُعلَن، توجهاً واضحاً نحو بناء نماذج إنتاج مستدامة ترتكز على التكنولوجيا المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي إلى النقل الذكي والمدن الذكية، باعتبارها أدوات أساسية في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية لسوريا ما بعد الحرب. ويُنظر إلى الشركات المنضوية في المجموعة على أنها الذراع التقنية التي ستقود هذه المرحلة، في حال توافرت البيئة السياسية والقانونية المناسبة.

اقتصادياً، يُقرأ اختيار شتورة ضمن سياق أوسع تسعى فيه الصين إلى ترسيخ حضورها في المنطقة عبر استثمارات استراتيجية تختلف في فلسفتها عن المقاربات الغربية التقليدية. فلبنان، من وجهة النظر هذه، يُعد منصة إدارية وتجارية لإدارة المشاريع، لا سيما أنه يشكل عقدة مواصلات أساسية بين الساحل والداخل السوري، ويمتلك خبرات بشرية وبنية خدمات يمكن البناء عليها، ولو بحدها الأدنى.

في المقابل، لا يخلو هذا التموضع من مقاربات أكثر حذراً. فثمة من يرى أن التوجه نحو السوق السورية لا يفرض بالضرورة المرور عبر لبنان، مستشهداً بتجارب شركات إقليمية ذهبت مباشرة إلى الداخل السوري. إلا أن المقارنة تصطدم بعامل أساسي هو مستوى “اليقين” القانوني والمالي، إذ لا تزال سوريا تواجه تحديات تتعلق بالاستقرار التشريعي والقطاع المصرفي، في حين يوفر لبنان، رغم أزمته، هامشاً أوضح في التعامل مع المصارف المراسلة والأنظمة المالية الدولية.

وعلى المستوى المحلي، يبرز سؤال أساسي حول مدى استفادة الاقتصاد اللبناني من هذا الحضور. فالنشاط اللوجستي بحد ذاته لا يُترجم تلقائياً إلى فرص عمل واسعة، خصوصاً أن الشركات الصينية تميل في مراحلها الأولى إلى الاعتماد على كوادرها الخاصة، مع الاكتفاء بتوظيف محلي محدود في قطاعات الخدمات. ويبقى انخراط اليد العاملة اللبنانية مرتبطاً بوجود شركاء محليين قادرين على تحمّل المسؤولية وتقديم كفاءة تنافسية.

في المحصلة، تقف شتورة اليوم أمام فرصة نادرة للتحول إلى منصة إقليمية فاعلة في واحدة من أكبر ورش الإعمار المرتقبة في المنطقة. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مسار مستدام يبقى مشروطاً بقدرة الدولة اللبنانية على توفير الحد الأدنى من البنية التحتية، من كهرباء واتصالات إلى بيئة قانونية واضحة. فوجود عشرات الشركات الصينية على مقربة من الحدود السورية ليس تفصيلاً عابراً، بل إشارة إلى أن قطار الإعمار بات قريباً من الانطلاق، وأن البقاع قد يكون بوابته الأولى نحو دمشق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce