
الجيش اللبناني بين السيادة والضغوط الدولية: اختبار الدور وحدود السياسة
الجيش اللبناني بين السيادة والضغوط الدولية: اختبار الدور وحدود السياسة
لم يكن وصول العماد جوزيف عون إلى رئاسة الجمهورية حدثًا معزولًا عن السياقين الدولي والداخلي، إذ تلاقى الدعم الخارجي، وخصوصًا الأميركي، مع حدّ أدنى من التوافق الوطني، في مشهد يعكس طبيعة التسويات اللبنانية التي نادرًا ما تستقر من دون مظلة دولية، لكنها لا تصمد إلا إذا اقترنت بقبول داخلي واسع.
هذا المسار ليس جديدًا على الحياة السياسية اللبنانية. فقد شهدت البلاد تجارب مماثلة، أبرزها تسوية عام 2008 التي أفضت إلى انتخاب قائد الجيش آنذاك رئيسًا للجمهورية، في إطار مقاربة دولية – إقليمية اعتبرت المؤسسة العسكرية عنصر توازن وضمانة للاستقرار. ومنذ ذلك الحين، حافظ الجيش اللبناني على موقعه كمؤسسة تحاول الوقوف على مسافة واحدة من القوى السياسية، متجنبًا الانخراط في الاستقطابات الحادة.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن فصل ما جرى في واشنطن خلال لقاء قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام عن الرهان الدولي المستمر على الجيش من جهة، والضغوط السياسية المتزايدة من جهة أخرى. فقد تحوّل اللقاء إلى محطة اختبار، بعدما طُرح على قائد الجيش سؤال مباشر حول تصنيف حزب الله، فجاء الجواب بأن الأمر لا يُقارب بالمنطق نفسه في السياق اللبناني، ما دفع السيناتور الأميركي إلى إنهاء الاجتماع واعتبار أن الموقف يطرح علامات استفهام حول الشراكة مع المؤسسة العسكرية.
ورغم حدّة هذا التفاعل، إلا أن المشهد الأميركي ليس أحادي الاتجاه. فبالتوازي مع الانتقادات، صدرت إشارات تؤكد استمرار الدعم للجيش اللبناني، سواء عبر التأكيد على أهمية العلاقات الدفاعية أو من خلال مواصلة دعم خطة انتشار الجيش جنوب الليطاني وتنفيذ مراحل حصرية السلاح بيد الدولة.
قراءة موقف قائد الجيش لا تندرج بالضرورة في خانة الصدام السياسي أو الانحياز لأي طرف، بل تعكس مقاربة مؤسساتية تحاول الفصل بين التصنيفات الدولية والواقع الدستوري اللبناني. فالمؤسسة العسكرية، وفق الأطر الدستورية، تخضع لقرارات السلطة السياسية ولا تمتلك صلاحية تصنيف أي مكوّن داخلي، وهو قرار يعود إلى الحكومة والبرلمان، لا إلى الجيش الذي يفترض أن يبقى إطارًا جامعًا وقادرًا على العمل في مختلف المناطق.
كما أن تحويل الجيش إلى طرف في معركة التصنيفات السياسية من شأنه أن يهدد وظيفته الأساسية كضامن للاستقرار والوحدة الوطنية. فالمؤسسة العسكرية لا يمكن أن تكون في آن واحد أداة تنفيذ للدولة وحكمًا سياسيًا على أحد مكوّناتها.
المفارقة أن زيارة قائد الجيش إلى واشنطن جاءت أساسًا في سياق تقني وأمني، مرتبط ببحث سبل دعم خطة حصرية السلاح وتعزيز انتشار الجيش في الجنوب، لا في إطار سجال سياسي أو أيديولوجي. غير أن تصاعد الضغوط الأميركية، وربط المساعدات العسكرية بمواقف سياسية محددة، يعكس توجّهًا واضحًا لإعادة تعريف دور الجيش ضمن معادلات أوسع.
في المقابل، يحاول الجيش اللبناني، الذي خبر تاريخيًا أثمان التدخلات السياسية، رسم حدود واضحة بين التعاون الدولي والارتهان السياسي. فهو يدرك أهمية الدعم الخارجي لإنجاح مهماته، لكنه يعي أيضًا أن الانزلاق إلى خطاب تصنيفي داخلي قد ينسف دوره الجامع ويقوّض ما تبقى من توازن داخلي هش.
وعليه، لا يبدو ما حدث في واشنطن انقلابًا على مسار قائم، بقدر ما هو تذكير بحساسية المرحلة المقبلة، حيث يشتد الضغط الدولي لفرض مقاربات سياسية محددة، في مقابل مساعٍ لبنانية للحفاظ على الحد الأدنى من السيادة المؤسسية. وفي هذا السياق، قد يُقرأ موقف قائد الجيش كخيار مؤسساتي حذر، يضع حماية دور الجيش ووحدته في مقدمة الأولويات، باعتبارها شرطًا أساسيًا لأي مسار فعلي نحو استعادة الدولة وحصرية السلاح.



