
تحوّل في سلوك حزب الله بعد وقف النار: تحميل الدولة الأعباء ورفض الالتزام بقراراتها
تحوّل في سلوك حزب الله بعد وقف النار: تحميل الدولة الأعباء ورفض الالتزام بقراراتها
منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، يبرز تبدّل ملحوظ في مقاربة حزب الله لعلاقته مع مؤسسات الدولة اللبنانية، عكس ما اعتاده المشهد السياسي خلال السنوات الماضية. فالحزب الذي لطالما أدار ملفاته الأساسية خارج الإطار الرسمي، بات في المرحلة الأخيرة يطالب الدولة بتولّي قضايا محورية، من بينها ملف الأسرى لدى إسرائيل، وإعادة الإعمار، وحتى إدارة مسارات التفاوض غير المباشر، في موازاة تمسّكه بخطاب سياسي تصعيدي ورفضه أي نقاش يتعلق بسلاحه.
ورغم التزام الحزب بعدم تنفيذ أي رد عسكري مباشر منذ وقف النار، في تناقض واضح مع شعارات «الردع» التي شكّلت أساس خطابه التقليدي، فإنه يواصل الاعتراض على دعوات حصر السلاح بيد الدولة، ويصعّد سياسياً ضد مسؤولين رسميين تحدثوا عن تطبيق القرارات السيادية، ولا سيما شمال نهر الليطاني.
هذا التوجه انعكس بوضوح في مواقف رئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد، عقب لقائه رئيس الجمهورية جوزيف عون، في أعقاب توتر سياسي سبّبته دعوات رئاسية للحزب إلى التحلّي بالتعقّل. ورغم تجنّبه الخوض في ملف السلاح، شدد رعد على أن مسؤولية إنهاء الاحتلال، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار، وحماية السيادة، تقع على عاتق الدولة، مع تأكيد الحزب استعداده لـ«مساندتها عند الاقتضاء».
وفي السياق ذاته، كثّف حزب الله لقاءاته مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام، عبر وفود شعبية سلّمت لوائح بأسماء أسرى لبنانيين، مطالبة بأن تتولى الدولة هذا الملف بالكامل، في خطوة غير مألوفة مقارنة بسلوك الحزب في مراحل سابقة.
في المقابل، ترى مصادر وزارية قريبة من رئاسة الجمهورية أن هذا الأداء يعكس حالة من التناقض والارتباك، مشيرة إلى أن الحزب يطالب الدولة بتحمّل تبعات ملفات كبرى، رغم أنه بادر سابقاً إلى خطوات مصيرية من دون العودة إليها، ويرفض في الوقت نفسه الالتزام بقراراتها. وتعتبر هذه المصادر أن ما يجري يندرج في إطار كسب الوقت بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية–الإيرانية.
ويذهب محللون سياسيون إلى توصيف هذا السلوك بوصفه انعكاساً لعجز فعلي عن الرد على الضربات الإسرائيلية المتواصلة، سواء عبر الاستهدافات أو التدمير، ما يدفع الحزب إلى نقل العبء السياسي والاجتماعي والاقتصادي إلى الدولة. ويشير هؤلاء إلى أن الحزب يتعامل بازدواجية واضحة: يرفع شعارات الكرامة والسيادة عند الحديث عن السلاح، لكنه يُحمّل الدولة مسؤولية معالجة تداعيات المواجهة، من تعويضات وإيواء وإعادة إعمار.
وبرأي هؤلاء، فإن الحزب نجح جزئياً في تمرير هذا الواقع، إذ لم تتحقق وعوده بتعويض المتضررين، فيما يُوجَّه المواطنون اليوم إلى انتظار تدخل الدولة. وفي الوقت نفسه، يلتزم الحزب الصمت العسكري، ما يفتح باب التساؤل حول موقعه الفعلي في المعادلة الراهنة.
وفي الخلاصة، يرى مراقبون أن حزب الله يسعى إلى تخفيف كلفة المواجهة من دون التخلي عن أدواته الاستراتيجية، في معادلة ملتبسة تُبقي السلاح قائماً من دون وظيفة واضحة، وتمنح إسرائيل ذريعة لمواصلة الضغط وإضعاف الدولة اللبنانية، في ظل غياب رؤية واضحة لمسار المرحلة المقبلة.



