مقالات

باريس تحذّر من الانزلاق: دعم الجيش مستمرّ ورفض لربطه بحصر السلاح

باريس تحذّر من الانزلاق: دعم الجيش مستمرّ ورفض لربطه بحصر السلاح

تعبّر فرنسا بوضوح عن قلق متزايد حيال المسار القائم في جنوب لبنان، معتبرة أن الآلية المعتمدة حاليًا تعاني خللًا بنيويًا عميقًا، نتيجة غياب البعد السياسي لصالح مقاربة تقتصر على التنسيق العسكري والتقني. وفي مقاربة دبلوماسية صريحة، ترى باريس أن هذا الخلل يحدّ من فعالية أي جهد لمنع التصعيد، في مرحلة دقيقة تختلط فيها المسارات الميدانية بالتحركات الدبلوماسية، وسط مخاوف من انزلاق غير محسوب نحو مواجهة أوسع.

وتشير مصادر دبلوماسية فرنسية رفيعة إلى أن الآلية المعتمدة حاليًا تقوم بمعظمها على اجتماعات عسكرية يومية، من دون أي حضور سياسي أو مدني، ما يفقدها القدرة على إنتاج حلول استراتيجية مستدامة. وتؤكد أن فرنسا رأت منذ البداية أن غياب القرار السياسي يشكّل ثغرة أساسية، إذ لا يمكن إدارة ملف الجنوب حصريًا عبر قنوات عسكرية، مهما بلغت كثافة الاجتماعات أو دقتها.

وفي هذا السياق، تلفت باريس إلى أن الولايات المتحدة اختارت إطلاق مسار تفاوضي موازٍ خارج إطار الآلية القائمة، استنادًا إلى أحد بنود اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقّع أواخر عام 2024، من دون إبداء حماسة لإشراك فرنسا أو حتى الأمم المتحدة. ومع ذلك، تؤكد باريس استعدادها للمشاركة متى طُلب منها ذلك، معتبرة أن أي مسار تفاوضي يحتاج إلى مظلة دولية جامعة.

وعلى صعيد الحدود الجنوبية، تشدد المصادر الفرنسية على أن المشكلة ليست تقنية بقدر ما هي سياسية، إذ إن إمكانية التقدّم نحو حل تبقى قائمة من حيث المبدأ، إلا أن الواقع الميداني الحالي، مع ما تصفه باريس بتوسّع الاحتلال وتعقيد المشهد، يجعل أي تفاوض أكثر صعوبة. وفي المقابل، تؤكد وجود موقف لبناني رسمي داعم للدور الفرنسي، عبّر عنه كل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام.

وتفصل باريس بين ملفين متداخلين: دور قوات اليونيفيل، ومراحل حصر السلاح. وتعتبر أن غياب دور واضح لليونيفيل شمال نهر الليطاني يطرح إشكاليات جدية في كيفية التعامل مع الخروقات خارج نطاق عملها. وفي هذا الإطار، تدعو فرنسا السلطات اللبنانية إلى اعتماد مقاربة واضحة، محذّرة من أن الغموض لا يخدم الاستقرار ولا يسهّل المعالجة.

أما مؤتمر دعم الجيش اللبناني المرتقب في باريس، فتؤكد المصادر أنه ليس خطوة رمزية، بل محطة أساسية تعكس التزامًا دوليًا، يشمل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. وتشدد على أن أهمية المؤتمر لا تكمن في الأرقام المعلنة، بل في ترجمة الدعم عمليًا، عبر تحديد حاجات الجيش، وآليات المتابعة، ودوره المستقبلي، خصوصًا في مرحلة ما بعد توسيع انتشاره جنوبًا.

وفي موازاة ذلك، تبدي باريس تشكيكًا في مقاربة «الاحتواء»، في ظل تصعيد إسرائيلي متواصل، معتبرة أن الحديث عن احتواء لم يعد واقعيًا في ظل استمرار الضربات. وتؤكد دعمها للحكومة اللبنانية، مع التشديد على أن حصر السلاح وفرض السيادة يبقيان قرارًا لبنانيًا داخليًا، وإن كان المجتمع الدولي يشجّع على المضي في هذا الاتجاه.

وتنقل المصادر الفرنسية قلقًا بالغًا من الوضع العام، معتبرة أن لبنان يعيش عمليًا حالة حرب غير معلنة، وأن استمرار الجمود سيقود حتمًا إلى مزيد من التصعيد. وفي هذا الإطار، تشير إلى أن أي استخدام للقوة يُستغلّ ميدانيًا لتبرير خطوات تصعيدية إضافية، ما يعقّد فرص التهدئة.

وفي ما يتعلق بالدور الإيراني، تطرح باريس تساؤلات حول مدى اهتمام طهران فعليًا بالملف اللبناني، مؤكدة أن الرسالة الفرنسية الثابتة تقوم على ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المحاور. أما التواصل مع حزب الله، فتصفه المصادر بأنه ضمن الحدود الدبلوماسية المعتادة، في حين يبقى الرهان الأساسي، بحسبها، على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، رغم إدراكها لحساسية موقعه وتعقيد الملف.

وتكثّف فرنسا تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم عربي ودولي لمؤتمر الجيش، وسط إشارات إيجابية من قطر، وتأكيد على أن دعم لبنان لا يمكن ربطه بشروط مسبقة تتعلق بحصر السلاح أو إعادة الإعمار. وفي هذا السياق، ترفض باريس منطق «لا إعمار قبل نزع السلاح»، داعية إلى خطوات عملية فورية لتلبية حاجات السكان، بالتوازي مع المسار السياسي.

وتعتبر باريس أن انتشار الجيش اللبناني في الجنوب للمرة الأولى منذ عقود يشكّل تحوّلًا استراتيجيًا يجب البناء عليه، حتى لو لم تُستكمل كل مراحل حصر السلاح بشكل فوري. كما تؤكد أن القرار الدولي 1701 لا يزال الإطار المرجعي، مع ضرورة التوافق بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة على خطوات واضحة للمرحلة المقبلة.

وتختم المصادر الفرنسية بالتأكيد أن دعم لبنان مستمر، وأن فرنسا ستبقى إلى جانبه، عبر دعم الجيش والدفع نحو حل سياسي متدرّج، مع التحذير من مخاطر الذهاب إلى خيارات قصوى قد تطيح بالاستقرار الداخلي. فحسم مسألة السيادة يبقى قرارًا لبنانيًا، لكن تأجيله إلى ما لا نهاية لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce