مقالات

هل يقترب شيعة لبنان من مفترق تاريخي… وما بعد احتكار حزب الله؟

هل يقترب شيعة لبنان من مفترق تاريخي… وما بعد احتكار حزب الله؟

على مدى أكثر من عشرين عامًا، أخفقت كل المحاولات في إنتاج قوة سياسية شيعية قادرة على كسر الاحتكار الذي فرضه الثنائي المتمثل بحركة أمل وحزب الله على تمثيل الطائفة في الحياة العامة. ورغم المبادرات الفردية والدعم الإقليمي والدولي الذي رافق بعض هذه المحاولات، بقي المشهد على حاله، في ظل تركيبة وجدانية معقدة تشكّلت لدى شيعة لبنان، امتزجت فيها الذاكرة الدينية المأساوية مع تاريخ طويل من الحروب والاضطرابات والحرمان.

منذ مرحلة الإمام موسى الصدر، حيث برزت فكرة توحيد الطائفة وبناء مؤسساتها لرفع التهميش التاريخي، وصولًا إلى مرحلة حزب الله الذي ربط الهوية الشيعية بخيار المقاومة المسلحة، تبلورت معادلة سياسية واجتماعية جعلت الانتماء للطائفة متداخلًا بالكامل مع الولاء للثنائي. وأصبح أي اعتراض داخلي يُنظر إليه بوصفه خروجًا عن الإجماع، لا مجرد اختلاف سياسي.

لا يمكن فصل هذا الواقع عن تأثير الثورة الإيرانية، التي أسست لدولة دينية شيعية تحولت إلى مرجعية سياسية وعقائدية لجزء كبير من شيعة المنطقة، ووفرت لحزب الله مظلة أيديولوجية ودعمًا استراتيجيًا عزز حضوره وهيمنته.

شكّل تحرير جنوب لبنان عام 2000 محطة مفصلية في الوعي الشيعي، باعتباره إنجازًا تاريخيًا غير مسبوق، دُفع ثمنه بآلاف الضحايا، وترافق مع مكاسب سياسية ودستورية واقتصادية عززت موقع الطائفة داخل الدولة، وكان لحركة أمل ورئيسها نبيه بري دور أساسي في تكريسها. آنذاك، لم يكن هذا المسار مصدر توتر داخلي لبناني، بل اعتُبر جزءًا من معادلة وطنية جامعة.

غير أن التحول الجذري برز عام 2005، مع رفض حزب الله الربط بين تحرير الأرض واستكمال السيادة الوطنية عبر إنهاء الوصاية السورية، ما كشف تعارضًا عميقًا بين مشروعه ورؤية باقي المكونات اللبنانية للدولة. وتعزز هذا التباعد بعد حرب 2006، مع بروز خطاب إقليمي جديد تحت عنوان “محور الممانعة” وما رافقه من مشاريع عابرة للحدود.

ورغم ذلك، ازداد الالتفاف الشعبي الشيعي حول الحزب، وتكرّست زعامة حسن نصرالله بوصفها مرجعية سياسية ورمزية شبه مطلقة داخل البيئة الشيعية.

عندما انخرط حزب الله في الحرب السورية، سادت حالة من التململ والشك لدى بعض أبناء الطائفة، لكنها سرعان ما تراجعت مع تعميم خطاب الخطر الوجودي المتمثل بالإرهاب التكفيري. في المقابل، شكّل امتناع حركة أمل عن المشاركة في تلك الحرب مؤشرًا مهمًا على إمكانية الاعتراض من داخل الطائفة، من دون أن يتحول ذلك إلى انقسام حاد، في ظل شعور شيعي عام بمحاصرة الطائفة من الخارج، إلى جانب استمرار التهديد الإسرائيلي.

منذ تلك المرحلة، دخل لبنان في عزلة متزايدة، ترافقت مع اتهامات واسعة لحزب الله بحماية منظومة الفساد، والمساهمة في تفكيك مؤسسات الدولة وتعطيل الحياة السياسية، مستخدمًا فائض القوة والترهيب. ومع تفاقم الانهيار الاقتصادي، وتنامي الغضب الشعبي، واندلاع انتفاضة 17 تشرين، وصولًا إلى انفجار مرفأ بيروت، ترسخت قناعة لدى شرائح واسعة من اللبنانيين بأن الحزب يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية الانهيار، إلى جانب إرث ثقيل من الاغتيالات وأحداث 7 أيار 2008.

في هذا السياق، بدا أن الرهان على مواجهة محدودة مع إسرائيل، على غرار حرب 2006، كان محاولة لتصدير الأزمة الداخلية وشدّ العصب الشيعي مجددًا. إلا أن النتائج جاءت معاكسة، إذ انتهت مرحلة “حرب الإسناد” بخسائر جسيمة تجاوزت قدرة لبنان على الاحتمال، وخلّفت تداعيات قاسية على الطائفة الشيعية نفسها.

اليوم، تتزايد المؤشرات، في لبنان كما في الإقليم، على أن مشروع حزب الله يقترب من نهاياته. ومع تصاعد الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل الطائفة الشيعية، وضرورة بلورة مشروع سياسي جديد يعيد وصلها بالدولة اللبنانية وبفكرة الوطنية الجامعة، بدعم وتشجيع من سائر المكونات.

هذا المسار لا يبدو مرهونًا بظهور معارضة إعلامية ظرفية، بقدر ما يعتمد على قدرة شخصيات وقوى من داخل البيئة الشيعية على إجراء مراجعة نقدية شجاعة، والانفتاح على مرجعيات روحية واجتماعية قادرة على صياغة رؤية إنقاذية تلتقي مع تطلعات اللبنانيين كافة، وتضع الطائفة على سكة الخروج من العزلة نحو مستقبل أكثر استقرارًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce