
لبنان عند مفترق السلاح والسياسة: الجنوب يهدأ ميدانيًا والمأزق الوطني يتفاقم
لبنان عند مفترق السلاح والسياسة: الجنوب يهدأ ميدانيًا والمأزق الوطني يتفاقم
أنهى الجيش اللبناني المرحلة الأولى من خطته الرامية إلى بسط سلطة الدولة جنوب نهر الليطاني، في خطوة نُفذت بهدوء نسبي وسلاسة لافتة، وبمستوى من التعاون السياسي والأمني شكّل استثناءً في ملف لطالما عُدّ من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في البلاد. هذا التطور، الذي قوبل بارتياح واضح في أوساط الجنوبيين، أعاد الأمل بإمكانية استعادة الدولة دورها، لكنه في الوقت نفسه أعاد فتح باب الأسئلة الكبرى حول مستقبل هذا المسار وإمكان استكماله.
فعلى وقع التحضيرات لزيارة قائد الجيش إلى واشنطن، وما تحمله من إشارات دعم دولي للمؤسسة العسكرية، تتبدّى صورة داخلية قاتمة. فالتوافق السياسي الوطني المطلوب لاستكمال المرحلة الثانية من الخطة لا يزال غائبًا، ولا سيما في ظل غياب أي نقاش جدي مع حزب الله حول هذه الخطوة. وبين عجز الدولة عن المضي قدمًا من دون غطاء سياسي جامع، وتمسك الحزب بموقفه الرافض لبحث مستقبل سلاحه خارج سياق الصراع الإقليمي، يتكرّس الجمود وتتعطل إمكانات التقدم.
في موازاة ذلك، يواصل الجنوب دفع ثمن هذا الفراغ، مع تصعيد إسرائيلي مستمر لا يبدو مرتبطًا بردود فعل آنية، بل بسياسة ضغط مفتوحة مرشحة للتكثيف. القرى الحدودية لا تزال مدمّرة، وسكانها يعيشون واقع النزوح من دون أفق واضح للعودة، فيما يتحول الحديث عن الاستقرار إلى شعار بعيد عن الواقع مع كل غارة جديدة.
ورغم بدء تدفق مساعدات خارجية عبر مؤسسات دولية ودول صديقة، تبقى إعادة الإعمار رهينة وقف كامل للأعمال العسكرية. فغياب الضمانات الأمنية يجعل أي تمويل لإعادة البناء مستحيلًا، ما يضع الجنوب في حالة انتظار مفتوح بين حرب غير معلنة وحياة معلّقة.
في هذا السياق، تتكثف الأسئلة حول الخيارات المتاحة، وخصوصًا أمام حزب الله. فالتجربة الأخيرة أظهرت أن معادلة السلاح، بصيغتها الحالية، لم تنجح في تحقيق الردع الموعود، بل أفضت إلى كلفة بشرية واقتصادية باهظة، وإلى اختراقات أمنية عميقة داخل بنية الحزب، انعكست تغييرًا ملموسًا في موازين القوى. لبنان خرج من المواجهة أضعف، والحزب وجد نفسه تحت ضغط داخلي غير مسبوق، قبل أي ضغط خارجي.
وتبرز علامات استفهام إضافية حول قدرة الحزب على خوض مغامرة عسكرية جديدة، أو جرّ البلاد إلى حرب أخرى في ظل الانهيار المالي والاجتماعي والانقسام الحاد حول سلاحه. كما يطرح مراقبون تساؤلات عن الخطاب الذي يمكن تقديمه للشركاء في الوطن، وللبيئة الحاضنة تحديدًا، إذا ما طُلب منهم تحمّل حرب جديدة في سياق إقليمي يتجاوز الحسابات اللبنانية المباشرة.
أي تصعيد جديد، وفق هذه القراءة، لن يكون مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل سيحمل تداعيات وطنية كارثية، وستكون كلفته الإنسانية والاجتماعية مركّزة على شريحة واحدة في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الخسائر.
وتكشف التطورات الإقليمية الأخيرة عن دروس لا يمكن تجاهلها. فعندما اقترب خطر الحرب من إيران، لجأت طهران إلى استنفاد القنوات الدبلوماسية وفتحت خطوط تواصل مباشرة مع خصومها لاحتواء التصعيد. والأمر نفسه ينسحب على غزة، حيث تتقدّم الحسابات البراغماتية اليوم على الشعارات، في محاولة لوقف القتال ومنع مزيد من الدمار.
أمام هذا المشهد، يتجدد السؤال حول أسباب منع لبنان من التفكير بخيارات سياسية تحمي مصالحه، في وقت تُشجَّع فيه التسويات في ساحات أخرى. ولماذا يُصوَّر أي نقاش داخلي حول السلاح أو أي مقاربة تفاوضية على أنه ضعف أو خيانة، بينما تُعتمد البراغماتية نفسها كخيار عقلاني في أماكن أخرى من المنطقة.
لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية: إما البقاء رهينة دائرة الحرب المفتوحة والحسابات الإقليمية، وإما التوجه نحو تسوية داخلية شجاعة تعالج ملف السلاح وسائر القضايا العالقة، ضمن مشروع وطني جامع، بالتوازي مع مقاربة خارجية واقعية تفتح الباب أمام استقرار مستدام في الجنوب، وعودة الأهالي إلى قراهم، وطي صفحة الحرب بما تحمله من مآسٍ.



