
نصيحة كميل شمعون العمرها ٧٤ سنة!!
نصيحة كميل شمعون العمرها ٧٤ سنة!!
كتب الصحافي والكاتب السياسي حكمة. س. أبو زيد:
كان الزمن شهر تموز من العام ١٩٥٢، وكنا، ميشال أبو جوده وحكمة أبو زيد، شابين في مقتبل العمر نمشي خطواتنا الأولى في مسيرة الصحافة المكتوبة، سقى الله أيامها ولياليها المضيئة، عندما زرنا، معاً، النائب كميل نمر شمعون في مكتبه القريب جداً من مجلس النواب، في نطاق تجوالنا اليومي على السياسيين البارزين والدوائر الرسمية للدولة لاصطياد الاخبار التي ترضي القيمين على الصحف التي نعمل لها.
استقبلنا “كميل بك” في مبنى “بنك الرافدين”، حيث مكتبه الانيق، مرحباً بصوته المكسورة حدته “ببحة” خفيفة: “أهلا بالشباب شو منضيفكن؟ في ليموناضه طازه شو رأيكن”؟؟ أجبنا معاً: “عظيم.. أفضل ما يكون لشوب تموز”. اراحتنا كثيراً، ميشال وأنا، حميمية استقبالنا من سياسي عريق، هو من أبرز المرشحين لرئاسة الجمهورية، عامذاك، بالإضافة إلى كونه يتمتع بشعبية واسعة في بلدته دير القمر ومنطقته الانتخابية في جبل لبنان، وله صداقات دولية معروفة منذ كان سفيراً للبنان في لندن في السنوات الأولى للعهد الاستقلالي.
أثرنا، ميشال وأنا، أموراً كثيرة معه كانت تشغل اللبنانيين يومها، منها المحلي ومنها الإقليمي والدولي. ويبدو أنه اعجب بالصحافيين الشابين وقدّر – ربما – أنّ بامكانهما أن يكونا بارزين في مهنة البحث عن المتاعب، فاحب ان يسدينا “نصيحة” تساعدنا في مشوارنا فقال لنا: “ليكو انتو بأول عمركن، وباول خطواتكم الصحافية، ومجبورين تعملو علاقات مع جهات وأشخاص كتار، بالداخل والخارج بيطلبها شغلكن. نصيحتي إلكن ما توثقو كتير بالسياسة الأميركية. الأميركان بيشتغلو سياسة بعقلية تجارية، هنّي تجار سياسة، والتاجر بيلحق المكسب المادي لأنو هيدي شغلتو واختصاصو. وانتبهوا للمثل يلي بيقول: “بالسياسة ما في صداقه دايمه ولا عداوه دايمه في مصالح دايمه”. احفظو هلقول وتصرّفو على أساسو وأنا واثق رح تنجحو ويكون إلكن مستقبل مهم بمهنتكن”.
في ٢٢ أيلول من تلك السنة ١٩٥٢ صار كميل شمعون رئيساً للجمهورية اللبنانية، خلفاً للشيخ بشاره الخوري، أول رئيس جمهورية استقلالي، بعدما استقال من منصبه بضغطٍ من التظاهرات الشعبية التي عمت كبريات المدن اللبنانية اعتراضاً على التجديد له الذي سبقه تزوير نتائج انتخابات ٢٥ أيار ١٩٤٧، ثم اغتيال رياض الصلح في عمّان برصاص القوميين السوريين انتقاماً لإعدام زعيم الحزب أنطون سعاده، بعيد فشل محالة انقلابية قادها ضد حكم بشاره الخوري ورياض الصلح رمزي العهد الاستقلالي عن الانتداب الفرنسي.
ودارت الأيام وتبوأ المرحوم ميشال أبو جوده بجدارة واستحقاق، موقع المعلّق السياسي الأول في لبنان، واعتبر أحد أهم المعلقين السياسيين في الشرق الأوسط، وصار عمود “حقيبة النهار” بتوقيع ميشال، في الصفحة الأولى من جريدة “النهار”، بوصلة معظم حكام المنطقة. ويقال ان الرئيس جمال عبد الناصر كان يحرص على قراءة مقال ميشال، صباح كل يوم، قبل ان يباشر نشاطه في مكتبه.
أما الداعي لكم بطول العمر والنجاح، حكمة سليمان أبو زيد، فقد انتخب عضواً في مجلس نقابة محرري الصحافة وتولى رئاسة تحرير جريدة “الدنيا” التي كان والده مالك امتيازها، ونشر مقالات في جرائد ومجلات: بيروت، الصحافة، البيرق، النهار، الأسبوع العربي، ماغازين وراسل مجلة “المصور” المصرية. وتعاون مع إذاعة ب.ب.س العربية، وإذاعة قطر، وراديو مونتيكارلو وصوت أميركا. وقدّم برنامجاً تلفزيونياً عبر شاشة “تلفزيون لبنان” باسم: “الكلام بسرك” استقبل فيه سياسيين كان النظام السوري يعارض ظهورهم الإعلامي منهم: المرحوم العميد ريمون اده، المرحوم جورج سعاده رئيس حزب “الكتائب”، أمين سر حزب “الوطنيين الأحرار”، السيد نوّاف الموسوي من “حزب الله” يوم كان الحزب مكروهاً من السوريين وغيرهم. وقد أوقف بث البرنامج بطلب من الرئيس الياس الهراوي، نتيجة الضغط السوري عليه وعلى الشهيد رفيق الحريري، الذي كان يوفر الرعاية الرسمية لصاحب البرنامج. وبينما كنت اقدم البرنامج كنت ملحقاً صحافياً في رئاسة مجلس الوزراء، وهو موقع اختارني له الشهيد رشيد كرامي، وبقيت فيه حتى العام ١٩٩٢ عندما غادرت السراي، طوعاً وبإرادتي، بعيد استقالة حكومة الرئيس سليم الحص، إثر فشله في الانتخابات النيابية التي أجريت ذلك العام. وإلى جانب العمل الصحافي انتخبت عضواً في اللجنة التنفيذية “للرابطة المارونية” لدورتين متتاليتين، وتسلمت رئاسة اللجنة الإعلامية فيها، مدة ست سنوات. ونشرت كتابين عبر “دار النهار للنشر” الأول عام ٢٠٠٤ بعنوان: “رؤساء حكومات لبنان كما عرفتهم – ٣١ سنة في السرايا” وقد أعيد طبعه مرتين. والثاني عام ٢٠٠٧ بعنوان: “قضايا وخبايا” عبر “دار النهار للنشر” أيضاً. وهناك كتاب ثالث قيد الإعداد. وقدّم الكتاب الأول الصديق الكبير المرحوم فؤاد الترك، الأمين العام الأسبق لوزارة الخارجية والمغتربين. أما الكتاب الثاني فصاغ مقدمته الصديق الشاعر والأديب المميز “الجوهرجي” كتابة ولغة: هنري زغيب.
ويبدو أن “نبؤة” الرئيس الراحل كميل شمعون اصابت هدفها مهنياً بالنسبة للمرحوم ميشال أبو جوده وحكمة أبو زيد – بكل تواضع – ولكن الإصابة الأهم لذلك “الصياد” الماهر – كما عرفه الجميع – كانت في المرمى الأميركي حيث تتم التضحية بالاصدقاء والمؤيدين حسب مصلحة ساكن البيت الأبيض ومنفعته الشخصية، أو منفعة زمرة “الدولة العميقة” التي تحكم من وراء الستار وتتألف من مجموعة من الرأسماليين والموظفين الكبار الذين يخدمون مصالح هؤلاء الرأسماليين حتى وصلت الاستهانة الأميركية بالقوانين والأعراف الدولية إلى المستوى الذي أجاز فيه الرئيس الأميركي لنفسه “خطف” رئيس فنزويلا وزوجته وزجهما في سجن باميركا تمهيداً لمحاكمتهما لأنهما لم يخضعا لإرادة الشركات النفطية الأميركية التي تستثمر النفط الفنزويلي. وكذلك “تدليله” مجرم الحرب، قاتل الأطفال والنساء والشيوخ وهادم غزه، بن يامين نتنياهو، ومدمّر مئات البيوت اللبنانية ومهجّر ألوف الجنوبيين.
لن أدافع عن مادورو وطريقة حكمه فنزويلا، المهم عندي التصرف الأميركي غير المسبوق وذلك التباهي “الترمبي” بهذا التصرف، وكأنه انجاز علمي حضاري يماثل الإنجاز الذي حققه رائد الفضاء الأميركي أرمسترونغ يوم خطا خطوته الأولى على سطح القمر! شتان بين الانجازين و”طوبى لصانعي السلام لأنهم يعاينون الله” كما قال متى الرسول.



