
هل يسبق التصعيد الديبلوماسية والتفاوض؟
هل يسبق التصعيد الديبلوماسية والتفاوض؟
يبدو لبنان اليوم في خضم سباق محموم بين مسارين متناقضين: مسار التصعيد العسكري المتبادل بين إسرائيل وحزب الله، ومسار الجهود الديبلوماسية التي تحاول السلطة السياسية إطلاقها لتجنيب البلاد انزلاقاً واسعاً نحو حرب مدمرة. وبين هذين المسارين تتأرجح المخاوف اللبنانية بين لحظة انفجار كبير، واحتمال ضئيل، لكنه قائم، لالتقاط فرصة التهدئة.
إطلاق حزب الله نحو مئة صاروخ مساء أمس شكّل رسالة عسكرية وسياسية في آن واحد. فمن الناحية العسكرية، أراد الحزب التأكيد أنه ما زال يمتلك القدرة على الرد وإبقاء جبهة الجنوب مفتوحة رغم الضربات المتكررة التي يتعرض لها، وبغض النظر عن تداعياتها القوية من العدو الإسرائيلي الذي كثّف غاراته الجوية على القرى الجنوبية وصولا للنبطية. أما من الناحية السياسية، فحملت العملية إشارة واضحة بأن الحزب لا يرى نفسه معنياً بأي مسار تفاوضي لا يأخذ بعين الاعتبار وقف الحرب في إيران.
غير أن الرد الإسرائيلي السريع والعنيف عبر شن سلسلة غارات مكثفة ومدمرة على الضاحية الجنوبية لبيروت، نقل المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة. فالضاحية التي تُعد مركز الثقل السياسي والتنظيمي للحزب، فإن استهدافها بهذا الشكل يوحي بأن إسرائيل تسعى إلى ترسيخ معادلة ردع جديدة تقوم على توسيع نطاق الضربات لتشمل العمق الحساس للحزب، وليس الاكتفاء بالمواجهات الحدودية التقليدية.
هذا التصعيد المتفلِّت من ضوابط السيطرة، يضع لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، يزداد خطر انزلاق المواجهة إلى حرب مفتوحة، إذا استمر تبادل الضربات وفق هذا الإيقاع المتصاعد. ومن جهة أخرى، تحاول السلطة السياسية فتح نافذة ديبلوماسية عبر قرارات الحكومة اللبنانية ومبادرة التفاوض المباشر التي أطلقها رئيس الجمهورية، في محاولة لإعادة الإمساك بقرار الحرب والسلم وإقناع المجتمع الدولي بأن الدولة اللبنانية تسعى فعلياً إلى منع الانفجار الكبير، وكان لافتاً في هذا المجال الكلام الجديد لقائد الجيش في ثكنة مرجعيون الذي أكد عزم الجيش على تنفيذ قرارات السلطة السياسية وتحقيق حصرية السلاح.
لكن نجاح هذه المساعي يظل مرهوناً بجملة عوامل متشابكة. أولها قدرة الدولة اللبنانية على إقناع الخارج بأنها قادرة على ترجمة قراراتها إلى إجراءات فعلية على الأرض، وهو أمر لطالما شكك فيه كثير من العواصم المعنية بالملف اللبناني. وثانيها حسابات إسرائيل التي قد ترى في اللحظة الحالية فرصة لمواصلة الضغط العسكري لإضعاف حزب الله أكثر، بدلاً من الانخراط سريعاً في تسوية توقف المواجهة الراهنة. أما العامل الثالث فيتصل بموقف الحزب نفسه، ومدى استعداده لفصل حساباته عن إلتزاماته الإيرانية، مراعاة لظروف بيئته الصعبة أولاً، والأخذ بالإعتبار الواقع اللبناني المتداعي، ووضع مصلحة البلد فوق أي إعتبارات خارجية أخرى، ثانياً وثالثاً ورابعاً.
وسط هذه التعقيدات، يبدو أن لبنان يعيش ساعة حبس أنفاس في مرحلة اختبار حقيقية ومصيرية: فإما أن تنجح الجهود الديبلوماسية في كبح الانزلاق نحو حرب مفتوحة ومدمرة، وإما أن يتقدم منطق الصواريخ والغارات، مع ما يحمله ذلك من أثمان باهظة تُضاعف الأعباء المرهقة التي يتحملها كل اللبنانيين.
صلاح سلام – اللواء



