اقلام حرة

ترامب ومنهج القوة العارية

ترامب ومنهج
القوة العارية

بقلم د. حارث سليمان
نشرته ” جنوبية” في ٢٢/١/٢٠٢٦

١) كيف يُعاد تفكيك النظام الدولي من الداخل؟
لم تعد سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الجديدة مجرّد عودة إلى “الانعزالية”  أو تصحيح لمسار العولمة التي انفلتت من اسر القبضة الاميركية ، كما يروّج أنصاره، بل باتت تشكّل منهجاً جديداً في العلاقات الدولية،  بوصفه انتقالاً من النظام الليبرالي-التعاقدي إلى منطق القوة العارية والابتزاز الاستراتيجي. ويقوم المنهج هذا، على إعادة تعريف مفاهيم التحالف، والسيادة، والقانون الدولي، بل وحتى معنى “الصداقة” بين الدول.
منهج لا يكتفي بإضعاف الخصوم، بل يذهب إلى سلب الحلفاء وابتزازهم، وتفريغ المؤسسات الدولية من مضمونها، وتحويل النظام الدولي من منظومة قواعد إلى ساحة صفقات قسرية.
•تفكيك الأمم المتحدة… انسحاب القوة المؤسسة من النظام الذي صنعته:
يشكّل موقف ترامب من منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة نقطة الانطلاق في هذا التحوّل. فالولايات المتحدة، التي كانت المهندس الأول للنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، تتحوّل في عهده إلى قوة مناوئة للمؤسسات التي أسستها بنفسها.
الانسحابات الأميركية المتتالية من هيئات أممية، ووقف التمويل عن وكالات إنسانية وحقوقية، لا تعبّر فقط عن رفض بيروقراطية دولية، بل عن رفض مبدئي لفكرة الضبط الجماعي للعلاقات الدولية. فترامب لا يرى في الأمم المتحدة إطاراً لإدارة التوازنات، بل قيداً على حرية القوة الأميركية. وهنا يصبح القانون الدولي، في المنظور الترامبي، مجرد خيار انتقائي، لا مرجعية مُلزِمة. بهذا المعنى، لا تنسحب واشنطن من الأمم المتحدة لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تعد تريد نظاماً يساويها – ولو نظرياً – بغيرها. ولذلك لم يكتف ترامب بإطلاق تصريحات نقدية، بل كان عملياً فنفذ الانسحاب من 66 منظمة دولية كاملة ؛ وهي خطوة تاريخية في حجمها منذ عقود، منها 31 هيئة تابعة للأمم المتحدة و35 منظمة غير تابعة.  ويشمل انسحاب التمويل أو المشاركة في مؤسسات مثل مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة، اليونسكو، والهيئات التي تعمل في الصحة العامة، والتعليم، والعمل.
علما أن الولايات المتحدة كانت تموّل كثيراً من هذه المنظمات بموارد مالية معتبرة؛ فقد مثلت أميركا ما بين 22% و28% من التمويل الطوعي لوكالات الأمم المتحدة خلال العقد الأخير.
الخطورة  ليست فقط في العدد الكبير، بل في التبرير الذي يقدّمه ترامب: أن كل هذه المنظمات “لا تخدم المصالح الأميركية” أو تروّج لأجندات تعتبرها إدارته معادية للسيادة الأميركية.
نتيجة التمويل الاميركي السابق؟  تلقت اليونيسكو وحدها من واشنطن أكثر من نصف مليار دولار في برامج تعليم وحماية تراث إنساني على مر السنين قبل انسحابها الجديد

• أوكرانيا… من حرب القيم إلى صفقة المصالح.

في الملف الأوكراني، يتجلّى هذا المنهج بأوضح صوره، فقد حوّل ترامب الحرب الأوكرانية من صراع جيوسياسي-قِيَّمي إلى عِبء يجب تفريغه على أوروبا أولاً، ثم تحويله إلى صفقة رابحة لأميركا. وقد أُحرجت أوروبا ثلاث مرات متتالية:
مرة اولى عبر فرض قطيعة قسرية على الغاز والنفط الروسي، مما أدخل الاقتصادات الأوروبية في أزمة طاقة وتضخم.
ومرة ثانية عبر إجبار الدول الأوروبية الكبرى ؛ ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، بلجيكا وبولندا ، على رفع موازنات الدفاع والتسلّح، ليس فقط استجابة للتهديد الروسي، بل استجابة لابتزاز أميركي مباشر تحت شعار “الدفع مقابل الحماية”.
اربك ترامب اوروبا في الحرب الأوكرانية فإذا كانت الحرب في أوكرانيا اختباراً لقوة الغرب، فإن ترامب حوّلها إلى اختبار لفوائده الخاصة، ولتحويل أعباء الدفاع الأوروبي إلى موارد للطاقة والأسلحة الأميركية واضطرت  أوروبا الى رفع موازنتها الدفاعية بشكل غير مسبوق فبلغ الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي  343 مليار يورو في 2024، وقد يصل إلى 381 مليار يورو في 2025، بزيادة تقارب 63% مقارنة بعام 2020. هذه الأرقام لم تكن مجرد “تحسين دفاعي”، بل ردّ فعل على التراجع الأميركي عن دعم أوكرانيا ومطالب ترامب بتحمّل الأوروبيين أعباء الأمن بأنفسهم.
وعلى أرض الواقع، تظهر الصورة  الحقيقية: أوروبا تدفع ثمن الحرب التي شجّع ترامب على أن تكون صفقة للسيطرة الأميركية على الطاقة والأسواق العسكرية، بينما الموازنة الأميركية تعيد التوازن لمصالحه الداخلية والخارجية.
اما المرة الثالثة فان دولا مثل المانيا وفرنسا تجد نفسها في علاقات توتر وعداوات مع روسيا في حين تحتفظ اميركا بموقع الوسيط والمحايد مع روسيا، ويتم التعامل بين بوتين وترامب كاصدقاء وليس كاعداء.

• أوكرانيا تدفع الثمن …
ولم تكن المحصلة اقل سوءا بعد تعرية القيادة الأوكرانية نفسها، حيث كُشف ترامب ظهر الرئيس فولوديمير زيلينسكي مرتين: الأولى عندما فُرض عليه القبول بالتخلّي عن الأقاليم التي احتلتها روسيا، في اي تسوية للحرب  محتملة، والثانية حين طُرح اتفاق للمعادن الاستراتيجية النادرة  يجعل الثروات الأوكرانية عملياً تحت الهيمنة الأميركية. و تبلغ البراغماتية الترامبية ذروتها : أوكرانيا لا تُكافأ على حربها، بل تُفوتر. لا ضمانات أطلسية، ولا سيادة مكتملة، بل موارد تُرهن مقابل استمرار الدعم.

٢) لا سيادة لدول ولاقواعد لقانون دولي:

إذا كانت السيادة الدولية قائمة على احترام حدود الدول و على قواعد لا ينتهكها أحد، فإن ترامب أخذ ذلك إلى مستوى جديد من الإهمال والواقعية القاسية، والتي يرى البعض أن لا صفة قانونية لها:
في فنزويلا القوات الأميركية أطاحت بالرئيس نيكولاس مادورو واقتادتّه إلى نيويورك، بينما تسيطر واشنطن الآن على صادرات النفط، وأعلنت أولى صفقات نفطية بقيمة نصف مليار دولار.
تلا ذلك القبض على سبعة ناقلات نفط مرتبطة بفنزويلا في عملية واحدة في الكاريبي ضمن إطار حملة للسيطرة على صادرات النفط.  ويخطط  ترامب لاستثمار نحو100 مليار دولار أميركي  لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي وتوجيهه نحو الشركات الأميركية الكبرى.
٣) من انتهاك سيادة الخصوم إلى تهديد الحلفاء:

اللافت في هذا المنهج أنه لا يميّز بين عدوّ وصديق. فترامب لا يكتفي بالخروج على القانون الدولي في فنزويلا أو غيرها من الدول المصنّفة خصوماً، بل يذهب أبعد من ذلك، مهدّداً سيادة دول حليفة وأعضاء في حلف شمال الأطلسي.
وشكلت مطالبته بضم كندا،  وسعيه للاستحواذ على غرينلاند من الدانمارك، سابقة تاريخية فلأول مرة تُهدَّد دول ترتبط بمعاهدات دفاع مشترك وأحلاف عسكرية من قبل الحليف الأكبر نفسه.
وهنا تظهر المفارقة الصادمة : أوكرانيا خاضت حربها الدامية أملاً بالانضمام إلى “الناتو” بوهم ان تنال حماية وضمانة، فيما كندا والدانمارك – العضوان فعلاً في الحلف – باتتا ترتعدان خوفا  من أطماع الحليف الأميركي في مواردهما وأراضيهما. فالتحالف، في المنهج الترامبي، لم يعد ضمانة، بل نقطة ضعف.

٤) من النظام الدولي إلى منطق الغنيمة
ما الذي تُدخله سياسات ترامب فعلياً إلى العلاقات الدولية؟ إنها تنقل العالم من نظام يقوم – ولو شكلياً – على القواعد، إلى نظام يقوم على الغنيمة والابتزاز. منطق يقول : لا حماية بلا مقابل. لا سيادة بلا ثمن. ولا تحالف بلا خضوع اقتصادي أو استراتيجي.
في هذا السياق، تُسلَب موارد الحلفاء كما تُسلَب موارد الأعداء، ويُعاد تعريف مفهوم القوة لا كمسؤولية، بل كحق مطلق في الفرض والمصادرة.
ما يفعله ترامب ليس مجرد تغيير في السياسة الخارجية الأميركية، بل انقلاب يهزٌّ الأسس التي قام عليها النظام الدولي منذ 1945. إنه عالم بلا مظلة قانونية، بلا مؤسسات ضابطة، وبلا يقين للحلفاء.
في هذا العالم، لا تحميك عضويتك في الأمم المتحدة، ولا شراكتك الأطلسية، ولا تضحياتك العسكرية. وحدها القوة، أو القدرة على الدفع، أو الاستعداد للخضوع، تحدد موقعك.
وهكذا، لا يكون ترامب قد أعاد “عظمة أميركا” بقدر ما يكون قد أعاد العالم إلى مرحلة ما قبل النظام الدولي: عالم الإمبراطوريات، ولكن بلا أوهام أخلاقية، وبلا أقنعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce