
سلاح «حزب الله» تحت المجهر: قلق في البيئة الحاضنة وتساؤلات حول الإعمار والحوار والدور السياسي
سلاح «حزب الله» تحت المجهر: قلق في البيئة الحاضنة وتساؤلات حول الإعمار والحوار والدور السياسي
يتصاعد الجدل السياسي في لبنان حول موقف «حزب الله» من ملف السلاح، في ظل قناعة متزايدة لدى مراقبين بأن الخطاب التصعيدي للأمين العام للحزب نعيم قاسم لا يبدد مخاوف بيئته الحاضنة، ولا يقدّم ضمانات حقيقية بشأن إعادة إعمار البلدات الجنوبية المتضررة، في وقت بات فيه هذا السلاح خارج معادلات القوة السياسية والعسكرية، وسط اندماج الحزب المتزايد في مؤسسات الدولة ومتطلبات حصرية السلاح بيدها.
ويرى متابعون أن الإكثار من الإطلالات الإعلامية ورفع سقف الخطاب باستخدام مفردات حادة، لا يحقق الهدف المرجو في شد العصب الشعبي، بل يفاقم القلق لدى عشرات آلاف العائلات التي نزحت من القرى الحدودية المدمّرة، وتنتظر تعهدات واضحة بإعادة الإعمار وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. ويشير هؤلاء إلى أن أي مسار فعلي للإعمار يبقى مشروطاً بموافقة الحزب على الخطة الأمنية التي أعدّتها قيادة الجيش اللبناني وتبنّتها الحكومة، والتي تقوم على تنفيذ متدرّج لحصرية السلاح، بدءاً من جنوب نهر الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي.
وفي هذا السياق، يُسجَّل على قاسم تصعيده السياسي في توقيت دقيق، تزامناً مع حراك داخلي وخارجي كثيف شمل الرؤساء الثلاثة، ومع ضغط دولي يربط أي دعم مالي للبنان بالتزام الدولة بسط سلطتها الكاملة. ويُطرح تساؤل واسع حول أسباب الرد غير المباشر على رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، بدلاً من تهيئة الأرضية لاستئناف الحوار القائم عبر قنوات رسمية يقودها النائب محمد رعد، وإن كان التواصل حالياً يتم بوساطات سياسية غير مباشرة.
مصادر وزارية تعتبر أن رفع السقوف بذريعة صد الهجوم السياسي لا ينسجم مع مشاركة الحزب في الحكومة على قاعدة بيان وزاري يؤكد احتكار الدولة للسلاح، متسائلة عما إذا كان هذا الخطاب رسالة موجهة إلى الخارج في ظل اشتداد الضغوط الأميركية على إيران، أم أنه يعكس ارتباكاً داخلياً في مقاربة المرحلة المقبلة. كما تلفت إلى أن الخيار الدبلوماسي بات المسار الوحيد القادر على فتح الباب أمام تثبيت وقف الأعمال العدائية، وإلزام إسرائيل بتطبيق التزاماتها، بعدما استُنفد الدور العسكري للسلاح في الجنوب.
وتشير أوساط سياسية إلى أن الحزب كان قادراً على الاصطفاف سياسياً خلف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يطالب بتطبيق متوازن لاتفاق وقف إطلاق النار، ويشدد على إلزام إسرائيل بوقف خروقاتها، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع مطلب حصرية السلاح، انسجاماً مع خطاب القسم والبيان الوزاري. وترى هذه الأوساط أن بري لعب دوراً أساسياً في تشجيع الحوار مع رئاسة الجمهورية، محذراً من أي تصعيد قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
في المقابل، يبرز تساؤل داخل الأوساط النيابية حول ما إذا كان قاسم يعبّر عن موقف موحد داخل «الثنائي الشيعي»، أم أنه يتفرّد بخطاب لا يلقى دعماً صريحاً من كتلة «التنمية والتحرير». وتؤكد مصادر نيابية أن التباين لا يمس جوهر الموقف من الجنوب وضرورة إنهاء الاحتلال، لكنه يظهر بوضوح في مقاربة العلاقة مع رئاسة الجمهورية، وفي إدارة ملف السلاح في هذه المرحلة الحساسة.
ويرى مراقبون أن الرهان على الاحتفاظ بالسلاح كورقة مقايضة سياسية لم يعد واقعياً، إذ إن أي مكاسب سياسية أو اقتصادية باتت محصورة بالدولة وحدها، لتمكينها من تنفيذ القرار 1701، وبسط سيادتها، وتأمين الدعم الدولي اللازم لإنقاذ لبنان من أزمته العميقة. ويحذّر هؤلاء من أن استمرار الخطاب التصعيدي، من دون أفق عملي، قد يزيد من عزلة الحزب ويعمّق الهوة مع بيئته، بدل أن يوفّر لها الطمأنينة التي تبحث عنها.



