مقالات

لماذا فشل بناء الدولة في سوريا؟ الانفصال والعنف كعواقب للسياسات الإقصائية

لماذا فشل بناء الدولة في سوريا؟ الانفصال والعنف كعواقب للسياسات الإقصائية

منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، كانت تطلعات السوريين تركز على إقامة دولة مؤسساتية تضمن الحقوق والحريات، وتقيم فصل السلطات، وتضع حدًا لاحتكار العنف من قبل النظام السابق. كان الحلم بدولة قادرة على توفير العدالة الاجتماعية والمساواة، وتكفل المشاركة السياسية لجميع المواطنين، بعيدًا عن هيمنة الأقلية الحاكمة.

لكن مع سقوط النظام، بدا واضحًا أن الطبقة الجديدة التي تولت زمام الأمور لم تحمل رؤية حقيقية لبناء الدولة، واكتفت بالتركيز على اقتصاد السوق الحر دون تشريعات ضامنة، واتبعت سياسات انتقائية، مكافأة لفئات وإقصاء لأخرى، مع تسريح جماعي وحل مؤسساتي عشوائي، ما أدى إلى إفقار ملايين السوريين. واعتمدت السلطة لاحقًا الحل الأمني والعسكري المفرط، ما غذّى الشعور بالتهديد بين المجتمعات المستهدفة، وعزز ظهور مشاريع انفصالية، سواء في السويداء أو مناطق سيطرة “قسد” التي طالبت بالكونفدرالية أو اللامركزية.

ومع استمرار الاعتماد على القوة والعنف، برزت أحداث دامية مشابهة لما وقع في الساحل السوري، وظهرت معارك في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، ما كشف غياب مشروع الدولة الوطنية الحاضنة لجميع السوريين. كما أدت السياسات الإقصائية إلى تعزيز مخاوف الفئات المستهدفة، وزيادة الشعور بالتهديد، ودفع بعض الجماعات إلى التفكير في الانفصال كخيار لحماية نفسها، في حين فشلت السلطة في تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية وصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق المواطنين.

كما أظهرت السلطة تواطؤًا مع الفزعات المسلحة، مما سمح باستمرار انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة، ما أعاد المجتمع إلى مراحل ما قبل الدولة الحديثة، حيث يُفرض على الأفراد حمل السلاح، وتصبح القوة المفرطة مبررًا للصراعات المحلية والانتقام. رغم مرور أكثر من عام على إسقاط النظام، ما تزال الفرصة متاحة أمام السلطة الجديدة لوضع إطار انتقال سياسي واضح، يضمن حقوق المواطنين، ويضع نهاية للعنف غير المشروع، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يبني الدولة الحقيقية بدلًا من إدارة الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce