
هل ينتقل التفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى مرحلة سياسية مباشرة؟
هل ينتقل التفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى مرحلة سياسية مباشرة؟
تتحرك الولايات المتحدة في اتجاه إحداث تغيير نوعي في مسار التفاوض القائم بين لبنان وإسرائيل، عبر الدفع نحو إطلاق مفاوضات مدنية مباشرة ذات طابع سياسي واضح، في وقت يشهد فيه الميدان تصعيدًا إسرائيليًا متدرجًا، وتتعامل فيه بيروت بحذر شديد مع الطرح الأميركي وتداعياته الداخلية.
وجاءت هذه التطورات بالتوازي مع تهديدات إسرائيلية جديدة بالإخلاء طاولت مباني في بلدتي سحمر ومشغرة في البقاع الغربي، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لتوسيع رقعة الاستهداف الجغرافي، بعد الارتفاع الملحوظ في وتيرة الغارات الجوية وحجمها، ضمن مناخ إقليمي يتسم بحالة توتر مفتوحة.
في المقابل، لم يكن غياب اجتماع «الميكانيزم» مفاجئًا للمعنيين في لبنان، إذ برزت خلال الأيام الماضية مؤشرات عدة رجّحت تأجيله، من بينها انشغال رئيس اللجنة العسكرية الأميركية في نشاط خارج البلاد، إضافة إلى إشكاليات تنظيمية تتعلق بمواعيد العطل الرسمية، واستمرار الخلاف حول طبيعة التمثيل الفرنسي، فضلًا عن العامل الأبرز المتمثل بالسعي الأميركي إلى إدخال تعديلات جوهرية على شكل المشاركة اللبنانية في أي مسار تفاوضي مقبل.
حتى الآن، لم يُسجَّل أي اختراق عملي، فيما لا يزال النقاش اللبناني الداخلي بطيئًا وحذرًا، مع ترك الباب مفتوحًا أمام احتمال انعقاد الاجتماع خلال الأيام المقبلة في حال توافرت الظروف المناسبة. غير أن مصادر متابعة تؤكد أن المسألة لم تعد تقنية فحسب، بل باتت سياسية بامتياز.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن لم تعد متحمسة لاستمرار التفاوض المدني – السياسي عبر آلية «الميكانيزم» بصيغتها الحالية، ولا سيما بوجود تمثيل عسكري، وتسعى بدلًا من ذلك إلى مسار تفاوضي أكثر وضوحًا وعلنية، يستند إلى جدول أعمال مباشر، ويواكب طبيعة الملفات المطروحة حاليًا والمحتملة مستقبلًا.
ويُفهم من الاتصالات الجارية أن الطرح الأميركي يقوم على تحويل التفاوض إلى مسار سياسي كامل، يمثله وزير مفوض رسميًا من الحكومة اللبنانية في مواجهة وزير إسرائيلي، على أن يرأس كل منهما وفدًا رسميًا. وفي هذا الإطار، لا يجري الحديث عن إقصاء أعضاء حاليين من الوفد اللبناني، بقدر ما يتم التداول بتنقيح التشكيلة وتوسيعها بأسماء إضافية.
غير أن هذا التوجه لا يحظى حتى الساعة بإجماع داخلي، وتُدار الخلافات بشأنه بعيدًا عن الإعلام، ولا سيما على مستوى القوى الأساسية، التي تبحث عن صيغة سياسية قابلة للتسويق داخليًا. وفي المقابل، يتنامى اقتناع لدى أطراف عدة بأن التفاوض، في ظل موازين القوى القائمة، قد يشكل مدخلًا لمعالجة ملفات ملحة، مثل وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وتحرير الأسرى، من دون الانزلاق إلى التطبيع أو الاعتراف المتبادل.
في هذا السياق، يبرز موقف حزب الله الذي لا يزال يفضّل التفاوض غير المباشر، انطلاقًا من اعتبارات تتصل باختلال موازين القوى وبطبيعة المرحلة. ويشدد الحزب على اعتماد صيغة شبيهة بآلية الترسيم البحري التي أُنجزت عام 2022، أي عبر وساطة أميركية تقوم على مفاوضات مكوكية بين بيروت وتل أبيب، رغم إدراكه أن التطورات الحالية تجاوزت إلى حد كبير هذه الصيغة.
ويستند الحزب في موقفه إلى مرجعيات سياسية وأمنية سابقة، محذرًا من الانزلاق إلى تفاوض مباشر صريح، ومؤكدًا أنه لن يساير هذا الخيار إذا فُرض داخل المؤسسات الدستورية. ومع ذلك، لا يبدو الحزب منغلقًا بالكامل أمام فكرة تسوية تفرضها حالة المراوحة، شرط ألا تقوم على التخلي عن عناصر القوة، بل على استثمارها ضمن إطار تديره الدولة اللبنانية، حتى وإن تباينت المقاربات حول الأساليب المعتمدة.
وتعكس النقاشات المتزايدة، داخليًا وإقليميًا، انفتاحًا غير مسبوق على بحث ملفات كانت تُعد من المحرمات سابقًا، في ظل حوار يتقدم بحذر، وتواصل مستمر بين الحزب ورئاسة الجمهورية، لم تؤثر فيه الضغوط السياسية أو السجالات الإعلامية، ما يشير إلى مرحلة دقيقة تُعاد فيها صياغة الخيارات اللبنانية على وقع التحولات الإقليمية والدولية.



