مقالات

قسد بين القوة السياسية والميدان: من فراغ الدولة إلى تحدي الشرعية السورية

قسد بين القوة السياسية والميدان: من فراغ الدولة إلى تحدي الشرعية السورية

لم تولد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من رحم الثورة السورية أو من مشروع وطني جامع لإعادة بناء الدولة، بل نشأت في سياق فراغات متراكمة: غياب الدولة عن شمال شرق البلاد، وانسحاب السلطة المركزية، وإقصاء طويل للمكوّنات الكردية، وتراجع الثقة بين الأطراف السورية. في هذا الإطار، لا تُعدّ قسد سببًا لتعقيد المشهد، بل نتاجًا لمسار تاريخي طويل من إنكار الحقوق وقمع التعبير السياسي، بلغ ذروته مع انهيار السلطة المركزية عام 2011، ما فتح المجال لقوى منظمة لملء الفراغ بالقوة والإدارة.

مع انسحاب النظام السوري من المناطق ذات الغالبية الكردية بين 2012 و2013، ظهر دور حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كقوة منظمة جاهزة للسيطرة الميدانية. تحوّل الحزب من عمل سري إلى تشكيل وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة، ما منح المشروع بعدًا عسكريًا واجتماعيًا متكاملًا، وسعى إلى إدماج النساء في القتال والإدارة ضمن رؤية “التحرر المجتمعي”.

في أكتوبر 2015، أُعلن رسميًا عن تشكيل قوات سوريا الديمقراطية كتحالف متعدد القوميات لمحاربة تنظيم “داعش” وإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها. رغم الخطاب المتعدد، بقي القرار الفعلي مركزيًا في أيدي كوادر حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، بينما شاركت الفصائل العربية والسريانية ضمن أطر تمثيلية محدودة.

برز مظلوم عبدي كواجهة سياسية وعسكرية للقسد، حيث لعب دورًا محوريًا في إدارة التحالفات الدولية ومواجهة داعش، ثم الانتقال إلى إدارة ما بعد الحرب والحفاظ على التوازن مع القوى الإقليمية، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا، في حين شكّل القادة الميدانيون مثل سيفان حمو العمود العسكري الذي يحافظ على السيطرة والنفوذ على الأرض. على الجانب السياسي، ساهم آلدار خليل في بناء الهياكل المدنية للإدارة الذاتية، في حين لعبت إلهام أحمد دور الدبلوماسية غير الرسمية لتسويق المشروع دوليًا، أما فوزة يوسف فكانت صوت الخطوط الحمراء في أي تفاوض سياسي، متمسكة بالمكاسب الميدانية.

غير أنّ الاعتماد المفرط على القوة العسكرية كشف عن محدودية العقد السياسي الداخلي، كما أظهرت الاشتباكات الأخيرة في أحياء حلب المختلطة. فالقوة وحدها لا تكفي لإنتاج استقرار دائم أو شرعية مقبولة، ما لم تُستند إلى إطار سياسي واضح، يشرك المجتمعات المحلية ويضمن العدالة في إدارة الموارد والخدمات.

اليوم، تواجه قسد السؤال الأصعب: كيف تنتقل من قوة ميدانية قائمة على الواقع إلى فاعل سياسي خاضع للمساءلة والدولة، قادر على الاندماج في سوريا الموحدة دون الاحتفاظ بدولة داخل الدولة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبلها ومكانتها ضمن سوريا الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce