مقالات

تصعيد إسرائيلي متدرّج جنوبًا وسط رسائل إقليمية وتمهيد محتمل لمواجهة مع إيران

تصعيد إسرائيلي متدرّج جنوبًا وسط رسائل إقليمية وتمهيد محتمل لمواجهة مع إيران

تواصل إسرائيل رفع وتيرة عملياتها العسكرية في جنوب لبنان عبر تكثيف الغارات وتوسيع نطاقها الزمني والجغرافي، في تصعيد يُعدّ الأعلى منذ أواخر تشرين الثاني 2024، من دون أن يبلغ بعد مستوى المواجهة الواسعة التي شهدها الجنوب في أيلول من العام نفسه. وخلال الأسابيع الأولى من العام الجاري، نُفّذت عشرات الغارات الجوية، في مؤشر إلى انتقال واضح نحو مرحلة أكثر حدّة في قواعد الاشتباك.

ويأتي هذا التصعيد ضمن سياق إقليمي أوسع، يرتبط بتفاهمات سياسية وأمنية سابقة بين تل أبيب وواشنطن، وبخطط إسرائيلية تقوم على مبدأ “التدرّج التصاعدي” في الضربات. وتهدف هذه المقاربة إلى توسيع مسرح العمليات باتجاه مناطق شمال نهر الليطاني، وزيادة الضغط على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية لدفعها إلى التعامل مع ملف السلاح في تلك المنطقة، إلى جانب ممارسة ضغط إضافي على البيئة الحاضنة لحزب الله عبر استهداف مناطق ذات طابع مدني.

ولا يمكن فصل هذا المسار الميداني عن التحضيرات الإسرائيلية – الأميركية للتعامل مع إيران. فغياب موقف حاسم بشأن كيفية تصرّف حزب الله في حال اندلاع مواجهة مباشرة مع طهران، دفع إسرائيل إلى اعتماد سياسة استباقية، ترمي إلى تقليص قدرات الحزب ومنعه من الانخراط في أي حرب إقليمية محتملة. وفي هذا الإطار، تكثّفت الاتصالات غير المعلنة، سواء عبر مسؤولين لبنانيين أو وسطاء، لمحاولة استيضاح موقف الحزب، من دون التوصل إلى أجوبة واضحة، في ظل تمسّكه بسياسة الغموض والاكتفاء بمواقف عامة ترفض أي عدوان.

هذا الغموض يثير قلقًا متزايدًا في إسرائيل، التي تخشى من احتمال انخراط الحزب في أي مواجهة إلى جانب إيران، وما قد يرافق ذلك من استخدام ترسانة صاروخية لا تزال تعتبرها تل أبيب تهديدًا مباشرًا لعمقها. وبناءً عليه، تصاعدت الضربات الإسرائيلية على المرتفعات شمال الليطاني، ولا سيما في مناطق تقول إسرائيل إنها تُستخدم لأغراض عسكرية.

وفي موازاة ذلك، طُرحت خلال الفترة الماضية أفكار ومقترحات تهدف إلى تحييد حزب الله عن أي مواجهة إقليمية، شملت دعوات إلى تجميد استخدام أنواع محددة من الأسلحة. وتندرج هذه الطروحات ضمن مساعٍ أوسع لتهيئة المناخ الإقليمي لمرحلة حساسة، لا تقتصر على البعد العسكري، بل تشمل أيضًا ضغوطًا سياسية وأمنية متشابكة.

حتى الآن، لا يزال الغموض يلفّ السيناريوهات المحتملة، سواء لجهة شنّ مواجهة متزامنة أو متدرجة. وفيما تُظهر واشنطن حذرًا من انزلاق لبنان إلى حرب مفتوحة، فإن ذلك لا يعني كبح المسار التصعيدي الإسرائيلي، بل السعي إلى استثماره ضمن هوامش محسوبة. وفي هذا السياق، جاء موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي استبعد اندلاع حرب شاملة على لبنان، في وقت تواصل فيه إسرائيل اختبار حدود التصعيد وتحويل ما تعتبره ضوءًا أخضر محدودًا إلى هامش أوسع للتحرك.

وتتصل هذه التطورات بزيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، التي حملت عناوين اقتصادية ودبلوماسية، من دون أن تغيب عنها الأبعاد الأمنية. وقد أبدى الجانب الإيراني اهتمامًا بالتقديرات اللبنانية حيال المخاطر المقبلة، في ظل تصاعد التهديدات ضد طهران، ومساعٍ لإعادة تفعيل تفاهمات سابقة هدفت إلى تحييد لبنان عن أي مواجهة مباشرة. وفي ضوء هذه المعطيات، يترقّب المسؤولون تطورات استثنائية محتملة في المرحلة المقبلة، في ظل تصاعد منسوب التوتر الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce