
نواف سلام يواجه لوبي المصارف: قانون الفجوة المالية يدخل مرحلة الحسم
نواف سلام يواجه لوبي المصارف: قانون الفجوة المالية يدخل مرحلة الحسم
بعد سنوات من الخطط المؤجلة والمبادرات التي سقطت واحدة تلو الأخرى، عاد ملف الخسائر المصرفية في لبنان إلى الواجهة، لكن هذه المرة بوجه سياسي واضح يتبنى مشروع قانون الفجوة المالية ويدافع عنه علنًا. فالمسار الذي فشل سابقًا بسبب غياب الجهة القادرة على تحمّل كلفة المواجهة، يشهد اليوم تحولًا لافتًا مع إعلان رئيس الحكومة نواف سلام تحمّله مسؤولية المشروع، مؤكدًا أن القانون لم يعد بلا مرجعية سياسية أو تقنية.
اللافت في المقاربة الجديدة أنها لم تُطرح كشعار عام أو وعد إنقاذي فضفاض، بل كخطة قائمة على أرقام وتدفقات متوقعة، في مواجهة حملة تشكيك قادتها المصارف، وركّزت على الطعن بقدرة الدولة والنظام المالي على رد الودائع الصغيرة خلال فترة زمنية محددة. إلا أن سلام أعاد توجيه النقاش من سؤال “هل الأموال متوفرة الآن؟” إلى “كيف يمكن إنتاج السيولة خلال السنوات المقبلة؟”، معتبرًا أن هذا هو جوهر أي حل واقعي.
وبحسب الأرقام المعروضة، فإن كلفة تسديد الجزء المحمي من الودائع، أي حتى سقف مئة ألف دولار لكل مودع، تبقى ضمن نطاق يمكن للنظام المالي تحمّله، انطلاقًا من احتياطات مصرف لبنان، والسيولة المتوافرة لدى المصارف، إضافة إلى أصول مالية قابلة للتسييل، أبرزها سندات اليوروبوند. كما استند سلام إلى تجربة السنة الماضية، التي شهدت تسديد مليارات الدولارات للمودعين بالتوازي مع ارتفاع الاحتياطات، للدلالة على وجود مسار مالي قابل للاستمرار، وليس مجرد افتراض نظري.
في المقابل، كشف النقاش أن اعتراض المصارف لا ينطلق من مخاوف تقنية بحتة، بل من رفضها تحمّل الجزء الأكبر من كلفة معالجة الودائع الصغيرة، ومحاولتها دفع النقاش نحو تقليص هذا الالتزام أو شطبه جزئيًا. وهو ما اعتبره مراقبون إعادة إنتاج لسياسات تحميل الخسائر للطرف الأضعف، أي المودعين، تحت عناوين “الواقعية” و”استحالة التنفيذ”.
وفي موازاة ذلك، شدّد سلام على أن أي حل مالي مستدام يبقى مرتبطًا بإعادة فتح قنوات الثقة الخارجية، وفي مقدّمها الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ليس فقط بسبب التمويل المباشر، بل لما يحمله من غطاء دولي يسمح بإعادة هيكلة الدين العام والتفاوض مع الدائنين، تمهيدًا لعودة لبنان إلى الأسواق المالية العالمية.
أما في ما يتعلّق بتعويضات كبار المودعين، فقد أوضح أن السندات المقترحة لا تقوم على تراكم فوائد مؤجلة كما يُشاع، بل على آلية دفع سنوية مرتبطة بإيرادات وأصول محددة، ما يحدّ من المخاطر ويخرج الالتزامات من العبء المباشر على المالية العامة.
في المحصلة، يدخل مشروع قانون الفجوة المالية مرحلة جديدة، عنوانها المواجهة العلنية بدل المواربة، والنقاش التقني بدل التسويات الغامضة. ومع انتقال الملف إلى مجلس النواب، يبدو أن الصراع الحقيقي لن يكون على مبدأ توزيع الخسائر، بل على من سيدفع الثمن الأكبر، ومن سيتحمل مسؤولية قرار طال انتظاره.



