
جردة السنة الأولى لعهد جوزاف عون: خطوات محسوبة… ومشاريع مؤجلة بانتظار القرار
جردة السنة الأولى لعهد جوزاف عون: خطوات محسوبة… ومشاريع مؤجلة بانتظار القرار
أنهى الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون عامه الأول في سدة الرئاسة، ما يفرض بطبيعة الحال تقييم حصيلة هذه المرحلة قياسًا على الخطاب الذي أطلقه يوم القسم، والذي جاء حينها بسقف عالٍ أثار آمال اللبنانيين بإمكان الخروج من الانهيار الشامل نحو دولة قائمة على المؤسسات والحقوق والواجبات. فقد جاء الخطاب بعد فراغ رئاسي طويل وأزمة متعددة الأبعاد، مقدّمًا خارطة طريق عامة لمسار العهد الجديد، الأمر الذي يجعل مراجعة السنة الأولى ضرورية لقياس ما تحقق فعليًا، وما بقي مؤجلاً تحت ضغط الواقع السياسي.
أولى الوعود تمثلت في إعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للقرار، وهو ما حاول الرئيس تكريسه عبر حضور مباشر وفاعل في العمل الحكومي، من خلال المشاركة المتواصلة في جلسات مجلس الوزراء ومتابعة ملفات أساسية، في سياق سعيه لضبط مسار القرار التنفيذي. غير أن تأثير هذه المقاربة بقي محدودًا بفعل التجاذبات السياسية القائمة.
في ما يتعلق بملف حصرية السلاح بيد الدولة، يمكن القول إن العهد انتقل من الطرح النظري إلى خطوات عملية أولية، خصوصًا جنوب نهر الليطاني كمرحلة أولى يفترض أنها الأقل تعقيدًا. إلا أن غياب جدول زمني واضح لاستكمال هذه الخطة شمال الليطاني، ترك العنوان مفتوحًا على التأجيل التدريجي بدل المعالجة الشاملة. وقد تعامل الرئيس مع ملف سلاح حزب الله وفق مقاربة تهدف إلى إدارة الخلاف بهدوء والحفاظ على الاستقرار الداخلي، ما ساهم في خفض التوتر لكنه أبقى المسألة موضع جدل مستمر بين مؤيدي نزع السلاح ومعارضيه.
ومن بين الالتزامات التي تضمّنها خطاب القسم، منع انزلاق لبنان إلى الحروب. وفي هذا السياق، اعتُبر فتح مسار تفاوض مدني مع إسرائيل خطوة ترجمت هذا الخيار، بوصفها إجراءً يهدف إلى إدارة المخاطر وتقليل احتمالات مواجهة عسكرية واسعة، رغم الجدل السياسي الذي رافقها، ورغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية دون الوصول إلى حرب شاملة.
خارجيًا، شهد العام الأول تحسنًا في العلاقة مع دول الخليج نتيجة إعادة فتح قنوات سياسية واقتصادية بعد فترة من التوتر، بما ينسجم مع وعد استعادة ثقة الخارج، وإن بقي هذا الدعم مرتبطًا بمدى التقدم في الإصلاحات. في المقابل، بقيت العلاقة مع الولايات المتحدة متوترة نسبيًا، ما عكس تباينًا في المقاربات السياسية والأمنية، وظهر ذلك في بعض الخطوات الدبلوماسية البارزة. كما شكّلت زيارة البابا محطة معنوية ودولية مهمة للبنان، لكنها لم تُترجم بإجراءات عملية مباشرة.
أما على صعيد الإصلاح ومكافحة الفساد، فسجل العام الأول نشاطًا رئاسيًا تمثّل بزيارات ميدانية ومتابعة لأداء الإدارات الرسمية، في إطار محاولة إعادة تفعيل مؤسسات الدولة. غير أن ترجمة هذه الخطوات بقيت مرتبطة بعمل الحكومة والوزارات والهيئات الرقابية والقضائية القادرة وحدها على إنتاج إصلاحات بنيوية ملموسة.
سياسيًا، حرص العهد على اعتماد الحوار وإدارة الخلافات بهدوء، والحفاظ على علاقات متوازنة مع معظم القوى، ما أتاح له لعب دور توافقي في مرحلة حساسة، رغم استمرار التباينات مع بعض الأطراف، ولا سيما القوات اللبنانية، حول ملفات أساسية تتعلق بالسلاح والعملين الحكومي والنيابي. ومع ذلك، بقيت الخلافات ضمن سقف مضبوط ولم تتحول إلى صدام مفتوح.
خلاصة العام الأول تشير إلى تنفيذ جزئي ومتدرّج لعدد من تعهدات خطاب القسم، مع أولوية واضحة للاستقرار السياسي وإدارة التوازنات الداخلية. وبين ما تم تطبيقه وما لا يزال معلّقًا، يبقى التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو الانتقال من خطوات متفرقة وانتقائية إلى نهج مؤسسي شامل يحوّل الوعود إلى سياسات ثابتة للدولة.



