مقالات

تقرير حقوقي يكشف: القتل يتواصل في سوريا رغم المرحلة الانتقالية وتعدد القوى يزيد العنف تعقيدًا

تقرير حقوقي يكشف: القتل يتواصل في سوريا رغم المرحلة الانتقالية وتعدد القوى يزيد العنف تعقيدًا

يكشف التقرير السنوي الصادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان حول القتل خارج نطاق القانون في سوريا لعام 2025 صورة قاتمة عن واقع البلاد بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024؛ إذ تظهر الأرقام أن العنف لم يتراجع كما كان متوقعًا مع بدء المرحلة الانتقالية، بل أعاد إنتاج نفسه بأشكال متعددة وأدوات أقل مركزية وأكثر تفلتًا، ليبقى المدنيون عالقين بين سلطات متداخلة بلا حماية حقيقية أو نظام مساءلة واضح.

وبحسب التقرير، وثّق عام 2025 مقتل 3338 مدنيًا، بينهم 328 طفلًا و312 امرأة، إضافة إلى 32 شخصًا قضوا تحت التعذيب. ولا تُطرح هذه الأرقام كنهاية نهائية، بل كحد أقصى لما أمكن توثيقه، بما يعكس طبيعة العنف المركّبة التي تجمع بين إرث الحرب، والانفلات الأمني، وتفجيرات واستهدافات لا ترتبط دائمًا بعمليات عسكرية تقليدية.

ويشير توزيع الضحايا بحسب الجهات المسؤولة إلى أن القتل لم يعد حكرًا على طرف واحد، بل تعددت القوى الفاعلة وتزايد حضور العنف المجهول المصدر، ما يعكس تحوّلًا خطيرًا من العنف المنظم إلى العنف العشوائي غير القابل للإسناد. وتتصدر الأحداث الدامية في الساحل عام 2025 المشهد بعدد 889 قتيلًا، بينهم نساء وأطفال، في سياق اتخذ طابع العقاب الجماعي وأضعف خطاب السيطرة الأمنية في مناطق يُفترض أنها مستقرة.

ويحتل الرصاص مجهول المصدر المرتبة الثانية بعدد 713 ضحية، وهو مؤشر مقلق على فراغ أمني يسمح بقتل المدنيين دون تحديد هوية الفاعل، لتتحول حالة الغموض نفسها إلى أداة قتل، بينما تكشف حصيلة النساء والأطفال عن عجز المرحلة الجديدة في توفير حماية حقيقية للفئات الأشد ضعفًا رغم التحول السياسي.

كما يوثق التقرير مقتل 55 من الكوادر الطبية و8 إعلاميين و5 من عناصر الدفاع المدني، ما يعني أن استهداف الفئات التي يفترض أن تحمي المجتمع ما زال قائمًا، وأن القواعد الإنسانية والقانونية لم تتحول بعد إلى منظومة فاعلة. وعلى صعيد المراكز المدنية، رُصدت 65 حادثة اعتداء على منشآت حيوية، بينها مدارس ومشافٍ ودور عبادة، مع نسبة كبيرة من الحالات التي تعذر فيها تحديد الجهة المسؤولة، في مؤشر خطير على أزمة مساءلة متفاقمة.

وتكشف المعطيات الجغرافية أن محافظات مثل اللاذقية والسويداء وحماة وطرطوس تصدرت نسب الضحايا، ما ينقض الرواية التي كانت تحصر العنف في مناطق التماس فقط، ويؤكد أن مناطق يُفترض أنها أكثر استقرارًا تحولت بدورها إلى ساحات مفتوحة للعنف نتيجة انتشار السلاح وتعدد القوى المحلية المسلحة وغياب سلطة مركزية قادرة على الضبط.

ويعرض التقرير كذلك استمرار حالات القتل تحت التعذيب بواقع 32 حالة خلال عام واحد، موزعة على أشهر مختلفة، بما يشير إلى أن هذه الممارسة لم تختفِ بسقوط النظام، بل أعيد إنتاجها بشكل متقطع وأقل مركزية، في ظل استمرار الاعتقال التعسفي وضعف النظام القضائي والرقابي، وهو ما ينسف جوهر العدالة الانتقالية ويدل على فشل في إنهاء إرث السجون والعنف الممنهج.

ويخلص التقرير إلى أن سقوط النظام لم يكن كافيًا لإنهاء القتل في سوريا، بل أدى إلى تشظي العنف وتعدد مصادره، ما يزيد صعوبة المحاسبة ويهدد بتحويل المرحلة الانتقالية إلى واقع دائم بلا عدالة ولا حماية فعلية للمدنيين. ويحذر من أن غياب تفكيك البنية العنيفة، وعدم احتكار الدولة للسلاح واستخدام القوة بشكل شرعي، يعني أن الحرب لم تنتهِ فعليًا، بل تغيّرت أشكالها وتواصلت بأساليب أقل وضوحًا لكنها لا تقل خطرًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce