
لبنان بين رهانات الخارج وعجز الداخل: انتظار مُرهق لحلول تُرسم بعيدًا عن إرادة اللبنانيين
لبنان بين رهانات الخارج وعجز الداخل: انتظار مُرهق لحلول تُرسم بعيدًا عن إرادة اللبنانيين
منذ انطلاقة حراك عام 2019 تحت شعار “لبنان ينتفض”، كان الهدف مواجهة منظومة سياسية وُصفت بالعاجزة عن تقديم أي حلول حقيقية، تاركة اللبنانيين في دائرة انتظارٍ مفتوح. وبعد مرور سنوات، لا يزال المشهد نفسه يتكرر في عام 2026، حيث باتت مختلف الأطراف السياسية تراهن على “منقذ خارجي” قادر على انتشال البلاد من أزمتها، بين من يعلّق الآمال على الولايات المتحدة، ومن يضع ثقته في إيران، وكل طرف يربط خلاص لبنان برؤية تتراوح بين السلام والازدهار من جهة، والكرامة والهيبة من جهة أخرى.
وبات لبنان يعيش وفق إيقاع ما يُقرَّر خارجه، فيما ينتظر مواطنوه نتائج تفاهمات وتفاوضات تجري بين قوى ومحاور دولية وإقليمية تتعامل مع الواقع اللبناني باعتباره ساحة لتبادل النفوذ والمصالح، أكثر مما هي دولة تبحث عن تسوية وطنية مستقلة. هذا الواقع يترافق مع تجارب سابقة أثبتت أن مشاريع “فرض السلام بالقوة” أو إعادة تشكيل النظام السياسي من الخارج غالبًا ما تصطدم بغياب الشرعية الداخلية، كما حدث خلال محطات تاريخية عديدة في لبنان، حين فشلت القوى التي راهنت على الحسم العسكري والسياسي في فرض معادلات جديدة.
على الجانب الآخر، تواصل إيران وحلفاؤها الرهان على نهج يقوم على تحويل الخسائر إلى أدوات تعبئة سياسية وأيديولوجية، مستندين إلى تجربة عسكرية وتنظيمية طويلة. ورغم ما تتعرض له إيران من ضغوط داخلية وتحديات اقتصادية واجتماعية، فإن سياستها الإقليمية لا تزال قائمة على الحفاظ على نفوذها عبر القوى الحليفة، مهما كان الثمن البشري والسياسي، مع الإبقاء على منطق “الصمود رغم الخسائر” كإطار جامع.
وبين الرؤيتين الأميركية والإيرانية، يبقى لبنان عالقًا في أزمة مركّبة. فالولايات المتحدة تسعى ـ وفق رؤية يُتداول بها سياسيًا ـ إلى تقليص نفوذ حزب الله وإرساء ترتيبات أمنية في الجنوب وصولًا إلى مسار تطبيع اقتصادي وسياسي، بينما تعمل إيران على تثبيت حضورها عبر أدواتها المحلية وتعزيز موقعها ضمن التوازنات اللبنانية. أما القوى السياسية المحلية، فغالبًا ما تتحرك ضمن حدود مرسومة خارجيًا، فتبدو خططها امتدادًا لما يُفرض عليها أكثر مما هي نتاج قرار سيادي مستقل.
وفي ظل هذا الواقع، يجد لبنان نفسه أمام سؤال أساسي يتعلق بكيفية وقف النزيف المستمر إنسانيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وتحديد السبل الممكنة للحفاظ على ما تبقى من قدرة المجتمع على الصمود، خصوصًا في المناطق التي تتحمل العبء الأكبر من التوترات المستمرة. فالمطلوب ليس خطابًا جديدًا عن “الخلاص السريع”، بل مقاربة واقعية ومسؤولة توقف دوامة الاستنزاف وتعيد السياسة إلى دورها الطبيعي كوسيلة لإنقاذ الدولة، لا كوسيلة لإدارة الانهيار الدائم وإعادة إنتاج الأزمات تحت عناوين مختلفة.



