مقالات

جنوب لبنان بين وهم الاستقرار وواقع التسويات الكبرى: قراءة في 19 عامًا من الهدوء المؤقت

جنوب لبنان بين وهم الاستقرار وواقع التسويات الكبرى: قراءة في 19 عامًا من الهدوء المؤقت

منذ انتهاء حرب يوليو 2006، لم يخرج جنوب لبنان عن دائرة التوتر، بل عاش حالة من الهدوء المؤقت الذي أخفى تحضيرات متبادلة لحرب محتملة بين إسرائيل وحزب الله. هذا الهدوء، الذي استمر بين عامي 2006 و2024، لم يكن استقرارًا حقيقيًا، بل مجرد توازن هش قائم على حسابات الردع والتحضيرات الاستراتيجية للطرفين، بحسب اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي.

 

ويشير شحيتلي إلى أن حرب 2006 لم تحقق أهدافها لأي طرف، فإسرائيل لم تنجح في تحييد قدرات حزب الله، بينما فشل الحزب في تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية داخلية أو إقليمية. هذه المعادلة دفعت الطرفين إلى مرحلة استعداد طويل الأمد، تجسدت في تحصينات واسعة في الجنوب من جهة، وتجهيز إسرائيل لبنك أهداف استخبارياً وعملياتياً من جهة أخرى.

 

تطبيق القرار 1701 أتاح إنجازات ميدانية وأمنية خلال سنوات الهدوء النسبي، لكنها انهارت عمليًا مع اندلاع الحرب الأخيرة، ما كشف أن النزاع لم يكن محليًا فحسب، بل جزءًا من سياق إقليمي أوسع، حسب شحيتلي، مؤكّدًا أن الجهوزية الأميركية والغربية أثبتت هذا الأمر.

 

الفارق الأساسي بين حرب 2006 والجولة الأخيرة، وفقًا لشحيتلي، تمثل في نجاح الضربة الاستباقية الإسرائيلية في استهداف قيادة حزب الله وخطوط الإمداد منذ المراحل الأولى، على عكس فشلها عام 2006. هذا التحول يعكس تغيّر فلسفة المواجهة من استنزاف طويل إلى محاولة حسم الإيقاع مبكرًا، ما يرفع تكلفة أي جولة لاحقة ويقلص فرص إدارة الهدوء.

 

في مطلع 2026، يبدو جنوب لبنان في حالة هشاشة أمنية وسياسية، إذ تغيّرت الأدوات الإقليمية والدولة اللبنانية تعاني ضعفًا اقتصاديًا ومؤسساتيًا. ويرى شحيتلي أن الاستقرار المستدام مرتبط بتسويات كبرى على المستوى الإقليمي والدولي، تشمل المسار الفلسطيني والدور الإقليمي لإيران. وفي غياب هذه التسويات، سيبقى الجنوب “ساحة غير مستقرة”.

 

الوزير اللبناني الأسبق رشيد درباس يضيف أن لبنان فقد فرصة التموضع تحت مظلة الشرعية الدولية، ما أضعف دور اليونيفيل وأدى إلى استهداف عناصرها وخطفهم، من دون حماية واضحة أو قدرة على أداء مهمتها. ويؤكد أن تبدد الهدوء لا يعود فقط إلى خرق أمني، بل إلى خلل سياسي نابع من تجاهل موازين القوى ووهم بعض الأطراف بإمكان فرض معادلات لا تتناسب مع الواقع اللبناني.

 

في الخلاصة، يشير الخبراء إلى أن ما وصف بالاستقرار بين 2006 و2024 لم يكن سوى هدوء كاذب، وأن الأحداث بعد 2024 كشفت هشاشة هذا الواقع، مؤكدة أن السياسة، لا الميدان، هي العامل الأساسي في إعادة تشكيل المشهد الأمني في الجنوب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce