
لبنان بين إرث الأزمات وأسئلة المصير: كيف قادت التجارب التاريخية إلى الانهيار الراهن؟
لبنان بين إرث الأزمات وأسئلة المصير: كيف قادت التجارب التاريخية إلى الانهيار الراهن؟
يطرح كتاب جديد للباحث والكاتب حسان الزين، تحت عنوان: “طانيوس شاهين، ماذا فعلت لأستحق هذا؟”، قراءة تاريخية نقدية تعود إلى انتفاضة الفلاحين عام 1858، مسلطًا الضوء على مسارها وكيف انتهت تطلعات قادتها إلى الخيبة، رغم ما حملته من آمال بالتحرر والعدالة الاجتماعية في تلك المرحلة. فقد تمكنت الحركة الشعبية حينها من مواجهة سلطة الإقطاعيين في كسروان، وإسقاط نفوذهم لفترة، قبل أن تتداخل ظروف الثورة مع توترات طائفية وصراعات إقليمية ودولية معقدة، لتعود الأوضاع إلى مسارها التقليدي، وينتهي قادة الانتفاضة إلى واقع قاسٍ بعد تبدد أحلامهم.
ومع تحولات تلك المرحلة التاريخية، برزت تدخلات دينية وسياسية وإقليمية واسعة، بالتوازي مع اندلاع الفتنة الطائفية عام 1860، ما أدى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي والإداري في جبل لبنان، وقيام نظام المتصرفية الذي أرسى أسس المحاصصة الطائفية التي استمرت جذورها حتى الحاضر.
هذه القراءة التاريخية تحمل إسقاطات واضحة على الواقع اللبناني اليوم، حيث تتكرر أنماط الهيمنة الاقتصادية والسياسية بصيغ مختلفة، إذ يشبّه الكاتب أصحاب المصارف الحاليين بمن وصفهم سابقًا بـ”الديّانة بالفائدة”، الذين يتحكمون بمصائر الناس عبر نظام مالي قائم على الاستدانة والارتهان، مع تحميل المنظومة المصرفية والسياسية مسؤولية مباشرة عن الأزمة المالية الخانقة، نتيجة سوء الإدارة، وغياب الإصلاحات، وارتكاب مخالفات جسيمة أفضت إلى انهيار تاريخي طال الدولة ومقدراتها وودائع مواطنيها.
ويستعرض النص نماذج صارخة على سوء الإدارة العامة، من بينها الإنفاق الهائل على قطاع الكهرباء دون تحقيق نتائج فعلية، إضافة إلى مشاريع خدماتية لم تحقق أهدافها، وسدود مكلفة تحولت إلى فضائح مفتوحة بدل أن تشكّل حلولًا تنموية. ويرى الكاتب أن جوهر الأزمة يكمن في التخلي عن القوانين، وإهمال تنفيذ الدستور، وتجاهل وثيقة الطائف، ما أدى إلى تفكك الدولة وتعميق الفساد وتحويله إلى نهج مستمر.
ويشير النص كذلك إلى انفجار مرفأ بيروت كأحد أخطر الشواهد على هذا النهج، حيث ظلت المواد الخطرة مخزنة لسنوات رغم علم الجهات المعنية بخطورتها، ما أدى إلى كارثة مدمرة ضربت العاصمة ومجتمعها واقتصادها، دون أن تصل حتى الآن إلى محاسبة حقيقية للمسؤولين.
وتتعمق الأزمة، بحسب الطرح، مع تطورات سياسية وأمنية لاحقة زادت من تدهور الأوضاع وأثقلت كاهل اللبنانيين. ليبقى السؤال مفتوحًا: كيف وصل لبنان إلى هذا المصير؟ وهل يستطيع تجاوز واقعه والعودة إلى دولة طبيعية قادرة على حماية شعبها وإدارة مواردها بجدية ومسؤولية؟



