اقلام حرة

“الفجوة المالية” و”الدولة العميقة” في لبنان

“الفجوة المالية” و”الدولة العميقة” في لبنان

كتب د. جيرار ديب في “اللواء” :

أعلن رئيس مجلس الوزراء، نواف سلام، في حديث تلفزيوني، إنه «مرتاح» للمسار البناء للمناقشات حول مشروع قانون «الفجوة المالية مع الوزراء».

وأكد سلام أن «القانون ضروري لاستعادة أموال المودعين والثقة بالدولة، ويمثل حجر الأساس للنهوض الاقتصادي في لبنان»، كما أوضح أن «الحكومة تعتبر القانون أولوية، وقابل للنقاش».

شقّ القانون الطريق المعتاد في لبنان وهو «الانقسام العامودي» بين القوى اللبنانية، ما دفع وزراء القوات اللبنانية الانسحاب من الجلسة الوزارية التي عقدت في السراي الحكومي، بتاريخ الثلاثاء 23 كانون الأول، تهرّباً من التصويت على القرار الذي خلق حالة من الارتباك والاعتراض لدى المودع.

ووفق المطالعة الحكومية، فإن المشروع هو إعلان لنهاية الفوضى، وبداية مسار واضح لاستعادة الحقوق، وحماية الاستقرار الاجتماعي بالنظام المالي، بعد 6 سنوات من الشلل. إذ وضعت الحكومة مسوغاتها التي ترتبط بتأمين الحماية لنسبة تناهز 85 في المائة من عدد المودعين، سيجري تمكينهم من التصرف بقيمة الحد المضمون من مدخراتهم والبالغة مائة ألف دولار خلال 4 سنوات.

بحسب سلام فالقانون هو أفضل ما يمكن تقديمه، لا بل ضروري لتمكين المودع من عدم خسارة مدخراته في المصارف. إذ يحمل القانون إيجابيات كبيرة تظهر في بعض من بنوده، وهو على ما يبدو، يتخطى المطالب المرتبطة في إعادة هيكلة الودائع نحو هدف الدفع نحو خلق المزيد من حالة الاستقرار المالي الداخلي بعدما مرّت البلاد بفوضى مالي ونقدي عهد ميشال عون مع انطلاق الثورة الشعبية عام 2019.

أبعد من حرص الحكومة على أموال المودعين، هناك المطالب الدولية والعربية التي تمارس المزيد من الضغوط من قبل الدول الداعمة الهادفة إلى وضع البلاد على السكة الصحيحة للإعمار والنمو. فالقانون يعمل على تنفيذ المخرجات التي تقدم بها صندوق النقد الدولي، والتي تنصّ على تصحيح الواقع المالي وإعادة الثقة بالمصارف الخاصة، ومطالباً في ضرورة المحاسبة وضبط القطاع العام من «التورم» الوظيفي.

رغم إن الجهود الحكومية وإصرارها على جدولة أموال المودعين والخروج بأقل أضرار ممكنة، لكنّ حكومة سلام تتحمّل أخطاء متراكمة للسلطات المتعاقبة على إدارة الدولة، والتي أغرقت البلاد والعباد في مديونية تخطّت المئة مليار دولار. فالمطلوب يتخطى النقاش بنود القانون، ليطرح الإشكالية الرئيسية للبنان والمرتبطة، بجدوى تنفيذ القوانين طالما إن القوى التي أوجدت الأزمات لم تزل متمكنة في السلطة في لبنان؟

لا يعاني لبنان من فجوة مالية، بل سياسية تتمثل في تمسّك القوى بالمناصب ليس بهدف تقديم الخدمات والمنافسة نحو طرح الأفضل للمواطن، لكنّ من أجل الحرص على أن لا تكون حكومة سلام قادرة على تمرير القوانين التنفيذية التي تكشف فساد أدائهم وهدر المال العام. فالرئيس سلام، الآتي من رئاسة المحكمة الدولية، لا يعتبر جزءاً من الدولة العميقة التي تمكّنت من تثبيت حضورها في مفاصل الدولة، والتي عمل القيّمون على توزيع الثروات عليهم ضاربين بعرض الحائط مصالح الناس وأموالهم.

رغم النقاش الذي وجد سلام إنه المدخل الرئيسي للخروج بأفضل ما يمكن من الفجوة المالية، إلّا أنّ التحديات كبيرة، لا سيما حالة الانتظار التي يعيشها اللبناني حول الحرب الإسرائيلي في ظل فرملة كلمة الشيخ نعيم قاسم أي جهود للدولة شمال الليطاني. فحزب لله لم يزل متمسّك بسلاحه، والاتهامات الإسرائيلية باتت تطال المؤسسة العسكرية ما ينذر بتصعيد خطير ينتظر لبنان بعد تقارير استخباراتية تتحدث عن تواجد لقيادات الحوثية في لبنان والاستعداد لأعمال عسكرية منتظرة.

تحتاج الدولة العميقة إلى حالة الفوضى، كي تبقى متمسّكة في زمام السلطة، ولا سيما إن الاستحقاق الانتخابي النيابي بات قاب قوسين، وإعادة تشكيل الكتل النيابية بات مطلباً رئيسياً لتحديد أي لبنان سيكون بعد أيار المقبل هذا ما يثبّت أن الاعتراض لا يتعلق بمبدأ الفجوة المالية، بل في إيجاد المواضيع الخلافية بين اللبنانيين، على اعتبار أنها الوحيدة القادرة على خلق الفوضى لتبرير وجود الأحزاب وتمسّكها بمراكز القرار.

بين هاجس السقوط للدولة العميقة، والسعي للتمسّك بها من قبل القوى الفاعلة فيها، يتوضح أن قانون الفجوة المالية لن يمرّ في مجلس النواب بالصيغة التي يريدها رئيس الحكومة، لأنّ المطلوب ليس بناء الدولة لكنّ الفوضى. هذا إن دلّ على شيء، فعلى إن لبنان لم يزل في مرحلة المخاض العسير، وإن ساعة الولادة لم تحن، وإن لبنان ليس جزيرة معزولة عن الواقع ولا المحيط.

لهذا تبقى الأمور معقّدة وتتخطى قرارات الحكومة، ولا تعني بمصلحة المودع، بقدر ما تتعلق بالإبقاء على حالة الفوضى، والملفت إن هذه الحالة مطلب القوى على أشكالها وما قانون الفجوة إلّا مؤشر على الدفع نحو حالة من اللااستقرار لتعزيز حضور الدولة العميقة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce