
سلاح حزب الله خارج الجنوب: من معادلة الردع إلى أداة نفوذ داخلي
سلاح حزب الله خارج الجنوب: من معادلة الردع إلى أداة نفوذ داخلي
يبدو أن التحوّل العميق الذي طرأ على موقع حزب الله ودوره يحتاج إلى وقت قبل أن يجرؤ الحزب على الاعتراف به أو صياغة خطاب جديد يواكب هذا التبدّل على المستويين الجماهيري والوطني. غير أن المشهد الحالي يوحي بحالة إنكار وتعنت، من دون مؤشرات على أن القيادة استوعبت حجم المتغيرات أو دلالاتها السياسية. ويظهر هذا الانفصال بوضوح عن أسئلة جمهور بات أقل استعدادًا لتقبّل خطاب أيديولوجي لا يقدّم حلولًا فعلية، كما عن نظرة داخلية وخارجية لم تعد تحتمل استمرار تعاطي الحزب مع الدولة وكأنه صاحب القرار الأول والأخير فيها.
وفي وقت تمكن فيه الجيش اللبناني، إلى حدّ كبير، من بسط سيطرته جنوب نهر الليطاني وتفكيك البنى العسكرية للحزب في تلك المنطقة، يواصل حزب الله رفض أي تعاون خارج هذا الإطار، ملوّحًا بالتصعيد إذا فُرض عليه مسار مختلف، كما عبّر عن ذلك علنًا أمينه العام المساعد نعيم قاسم. عند هذه النقطة، يتجاوز النقاش البعد التقني أو العسكري، ليتحوّل إلى سؤال سياسي وجودي يتعلق بوظيفة السلاح ودوره الحقيقي.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا مركزيًا: ما الحاجة إلى سلاح حزب الله خارج جنوب الليطاني، وفي قلب المدن والقرى، بعيدًا عن أي مسرح مواجهة مع إسرائيل؟ فالسلاح المنتشر خارج مناطق الاشتباك لا يمتلك وظيفة عسكرية تقليدية، لا في مواجهة جوية، ولا في معارك حدودية، ولا ضمن أي سيناريو واقعي لحرب مع إسرائيل. أما وجوده في بيروت والبقاع والضاحية والمناطق المختلطة، فلا يندرج في إطار الردع الخارجي، بل يشير إلى وظيفة داخلية، سواء عبر استخدامه الفعلي أو التلويح به.
وعليه، يبدو الاستنتاج مباشرًا: هذا السلاح لم يعد مخصصًا لمواجهة خارجية، بل تحوّل إلى أداة داخلية بامتياز. أي تفسير مغاير لا يتعدى كونه إنكارًا للواقع أو التفافًا على السؤال الأساسي. فالسلاح حاضر كوسيلة ردع سياسي تضمن فرض خيارات محددة ومنع أي مسار لا ينسجم مع إرادة الحزب.
في هذا السياق، لا يحتفظ حزب الله بسلاحه تحسبًا لحرب خارجية، بل لتكريس معادلة داخلية تقوم على القبول بخياراته أو تحمّل كلفتها. وهذه المعادلة لا يمكن فرضها من دون سلاح خارج سلطة الدولة، ومن دون القدرة على تعطيل السياسة بوصفها مساحة نقاش ومساءلة. فالدولة تعني قرارًا عامًا ومحاسبة، وهو ما يتناقض مع منطق السلاح كضمانة أخيرة.
وهكذا، يتحوّل السلاح من أداة قتال إلى أداة تعطيل، لا يحتاج إلى استخدام فعلي كي يؤدي وظيفته، إذ يكفي وجوده خارج أي رقابة ليشكّل رسالة دائمة بأن الدولة ليست المرجعية النهائية، وأن ميزان القوة لا تحدده المؤسسات بل الأمر الواقع. من هنا، يصبح الحديث عن “استراتيجية دفاعية” بلا مضمون، لأن السلاح الذي يُستخدم داخليًا لا يمكن دمجه في دولة، بل يعمل على منع اكتمالها.
وعلى المستوى المفاهيمي، ينقلب معنى المقاومة رأسًا على عقب. فالمقاومة، في جوهرها، فعل حماية للمجتمع، لكن حين يتحوّل المجتمع إلى رهينة، ويُستخدم السلاح لفرض مسار واحد ومنع أي بديل، يصبح هذا السلاح أداة إخضاع لا حماية. وهو لا يجعل الصدام الداخلي حتميًا، لكنه يبقيه ممكنًا دائمًا، لأن التوازن السياسي يقوم على الخوف لا على التوافق. وفي ظل هذا الواقع، لا يعود الإشكال في الخارج، بل في الدولة نفسها، حيث تُحتجز السياسة وتُفرغ المؤسسات من معناها.



