مقالات

لماذا يمدح ترامب الرئيس الشرع؟ تحوّل مفاجئ يعيد رسم معادلات النفوذ في الشرق الأوسط

لماذا يمدح ترامب الرئيس الشرع؟ تحوّل مفاجئ يعيد رسم معادلات النفوذ في الشرق الأوسط

تتوالى في الأشهر الأخيرة تصريحات لافتة من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تشيد بالرئيس السوري أحمد الشرع، وبلغت حدّ وصفه بـ”القائد الواعي” و”الرجل الذي يمكن العمل معه”، في تحول غير مسبوق من سياسي بنى جزءاً من خطابه على مواجهة ما سماه “الأنظمة المارقة”. هذا التحول أثار اهتمام مراقبين ودول إقليمية، وفتح الباب أمام تساؤلات عن خلفياته وأبعاده: هل هو تقارب تكتيكي أم بداية لشراكة استراتيجية أعمق؟

 

يرى محللون أن المسألة لا تتعلق بمشاعر أو إعجاب شخصي بقدر ما ترتبط بحسابات مصالح متبادلة. فالسياسة السورية في عهد الشرع تحوّلت إلى مقاربة أكثر واقعية، تجاوزت الأيديولوجيا نحو إدارة الملفات بمنظور اقتصادي وجيوسياسي متوازن. فقد نجحت دمشق في الخروج نسبياً من العزلة عبر إعادة وصل علاقاتها الخليجية والأوروبية، وتخفيف آثار الحصار من خلال مسارات تجارية بديلة وشراكات استثمارية، بينها عقود طاقة غربية للتنقيب في الساحل السوري.

 

في موازاة ذلك، تقدّم دمشق نفسها كحاجز طبيعي أمام تمدد النفوذ الإيراني في سوريا، عبر خطوات ميدانية وسياسية واضحة تشمل سحب بعض الوحدات الاستشارية الإيرانية من مواقع حساسة، وإعادة تنظيم فصائل محلية، إضافة إلى تعزيز التعاون الأمني مع دول غربية في مكافحة الإرهاب وشبكات المخدرات. هذه الصورة الجديدة لسوريا تُعد، من وجهة نظر واشنطن، فرصة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

 

ويقول الدكتور سامر الصفدي، استشاري التحالف السوري–الأميركي للسلام والازدهار، لـ”المدن”، إن علاقة شخصية متينة نشأت بين ترامب والشرع منذ لقائهما الأول في الرياض، “وهو ما لعب دوراً محورياً في هذا التحول”. ويضيف أن ترامب، بمنطق رجل الأعمال، يراهن على العلاقات الشخصية المباشرة، وقد وجد في الشرع شخصية قوية يمكن بناء شراكة معها. أما على المستوى الاستراتيجي، فيرى الصفدي أن واشنطن تعتبر سوريا الجديدة جزءاً أساسياً من مشروع “شرق أوسط جديد” يسعى ترامب إلى صياغته، يقوم على تقليص النفوذ الإيراني والروسي والصيني، ونسج تحالفات مع قادة أقوياء وموثوقين.

 

وتنسجم هذه القراءة مع التحولات التي تشهدها المنطقة. إذ تشير مصادر إلى اتصالات متزايدة بين دمشق وواشنطن عبر قنوات أوروبية وعربية، رافقها تقدم ميداني: اجتماعات استخباراتية في عمّان وأنقرة، دعم أميركي غير معلن لمشاريع طاقة في طرطوس، وتخفيف محدود لبعض القيود الاقتصادية ضمن “تفاهمات هادئة” تمهد لمرحلة جديدة.

 

ويؤكد الدكتور عبد الباسط أبو نبوت، المختص بالعلاقات الدولية، أن واشنطن تبحث عن “علاقة جديدة” مع دمشق، في ظل نظام يتبنى سياسة توازن بين موسكو وواشنطن وبكين. ويرى أن دمشق تسعى إلى استقطاب الاستثمارات ورفع العقوبات وتحفيز الاقتصاد المحلي، مقابل تقديم ميزات سياسية وأمنية للدول الكبرى، بما يضمن استقرار البلاد داخلياً.

 

هذا التقارب يأتي بالتزامن مع مؤشرات على تسويات دولية قريبة، تشمل ليونة أوكرانية تجاه حلول وسط، وتفاهمات روسية–أميركية محدودة، ورغبة صينية في لعب دور اقتصادي في إعادة إعمار سوريا. لكنّ المحللين يحذرون من هشاشة هذا المسار، إذ يبقى مرتبطاً بقدرة دمشق على تنفيذ إصلاحات ملموسة، وبمدى تقبّل الداخل الأميركي، خصوصاً الكونغرس، لأي انفتاح على حكومة كانت مصنّفة لعقود ضمن “قائمة الخصوم”.

 

وبينما تتحرك المنطقة نحو إعادة رسم خرائط النفوذ، يُنظر إلى العلاقة المتنامية بين ترامب والشرع باعتبارها نقطة تحول محتملة؛ إما بداية لـ”صفقة كبرى” تعيد صياغة التوازنات في الشرق الأوسط، أو خطوة تكتيكية قصيرة المدى ستختبرها التطورات الإقليمية المقبلة، من إسرائيل إلى إيران وسائر العواصم المؤثرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce