
تدفّق جديد للدولار الفريش: مؤشّر إيجابي أم تكريس لازدواجية النظام المالي؟
تدفّق جديد للدولار الفريش: مؤشّر إيجابي أم تكريس لازدواجية النظام المالي؟
أظهرت البيانات الأخيرة الصادرة عن مصرف لبنان ارتفاعًا ملحوظًا في حجم الودائع الجديدة بالدولار الأميركي المعروف بـ”الفريش”، ما يعكس تحوّلًا تدريجيًا في حركة السيولة داخل القطاع المصرفي، رغم استمرار الأزمة التي تطال الودائع القديمة.
ففي نيسان 2023، وقبل مغادرته منصبه بقليل، أصدر الحاكم السابق رياض سلامة قرارًا أساسيًا لتنظيم عمليات الدفع والتحويل من الحسابات الجديدة، أي الودائع التي دخلت النظام المصرفي بعد 17 تشرين الأول 2019. هدف القرار إلى إنشاء بنية مالية مستقلة تسمح بتداول هذه الأموال خارج القيود المفروضة على الودائع القديمة، وبما يعيد استقطاب السيولة إلى المصارف وتشجيع استخدامها ضمن إطار رسمي يحدّ من توسّع الاقتصاد النقدي.
وقد جاءت هذه الخطوة في محاولة لاحتواء انتشار التعامل النقدي الذي أثار مخاوف دولية من تنامي مخاطر تبييض الأموال، وسط تشكيك بقدرة القطاع على استعادة الثقة قبل معالجة أزمة الودائع العالقة.
وكشف مصرف لبنان في نشرته الأخيرة عن ارتفاع حجم الودائع الجديدة من 3.2 مليار دولار في نهاية 2024 إلى نحو 4.3 مليارات دولار حتى نهاية أيلول الماضي، أي بزيادة تقارب 1.1 مليار دولار خلال تسعة أشهر، وبنسبة نمو بلغت 34%. ويعادل حجم هذه الودائع الآن نحو 43% من حجم اقتصاد “الكاش” قبل اعتماد التعميم رقم 165، وفق تقديرات البنك الدولي.
في المقابل، تواصلت خسارة المصارف للودائع القديمة بالدولار، إذ تراجع رصيدها من 84.7 مليار دولار مطلع العام إلى نحو 83.1 مليار دولار في أيلول، بتراجع إجمالي بلغ 1.6 مليار دولار، أي بمعدل خروج يقارب 180 مليون دولار شهريًا. ويرتبط هذا الانخفاض أساسًا بسحوبات شهرية يسمح بها مصرف لبنان، في وقت تراجعت عمليات تسديد الودائع عبر الشيكات بعد إطفاء الجزء الأكبر من القروض خلال السنوات الماضية. وخلال الفترة نفسها، انخفضت القروض بالدولار بنحو 252 مليون دولار فقط.
وتُظهر البيانات أيضًا زيادة في القروض الجديدة الممنوحة بالدولار “الفريش”، والتي بلغت حتى حزيران نحو 553 مليون دولار، وتشمل تسهيلات تجارية وقروض تجزئة. وكانت المصارف تضغط لإقرار قانون يضمن تسديد هذه القروض بالدولار النقدي حصراً، لتوسيع نشاط الإقراض، غير أن القانون لم يُقر بعد، ما أبقى الإقراض محصورًا بفئة محدودة من العملاء الموثوقين.
ويمكن القول إن القطاع المالي يشهد اليوم توسعًا تدريجيًا لنظام موازٍ يعتمد على الحسابات الجديدة ومقاصّتها المستقلة، فيما تبقى الإشكالية الأساسية في استمرار هذا النشاط قبل حل أزمة الودائع القديمة. ويعيد ذلك التأكيد على ضرورة حسم الفجوة المالية ووضع خطة واضحة تضمن حقوق المودعين، قبل الانتقال فعليًا إلى مرحلة التعافي المالي.



