
رسائل أميركية عبر بيروت: واشنطن تتجنب المسؤولين الشيعة في زيارتها الأخيرة إلى لبنان
رسائل أميركية عبر بيروت: واشنطن تتجنب المسؤولين الشيعة في زيارتها الأخيرة إلى لبنان
أثار استبعاد وفد وزارة الخزانة الأميركية، الذي زار بيروت مطلع الأسبوع، المسؤولين اللبنانيين المنتمين إلى الطائفة الشيعية من جدول لقاءاته، تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية اللبنانية، خصوصاً أن بعض هؤلاء يشغلون مواقع مرتبطة مباشرة بالمطالب الأميركية المتعلقة بملف تمويل «حزب الله» وحصر السلاح بيد الدولة.
الوفد الأميركي، الذي ترأسه نائب مساعد الرئيس لشؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، وضمّ وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب جون هيرلي والمستشار في مجلس الأمن القومي رودولف عطا الله، عقد لقاءات مع كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ووزيري العدل والداخلية، إضافة إلى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، ورئيس حزب «الكتائب» سامي الجميل، كما شارك في مأدبة عشاء أقامها النائب فؤاد مخزومي وحضرها عدد من النواب.
لكن اللافت أن الوفد لم يلتقِ رئيس البرلمان نبيه بري، رغم كونه الرجل الثاني في الدولة والمفاوض باسم «حزب الله» مع الوفود الأجنبية، كما غاب وزير المال ياسين جابر عن اللقاءات الرسمية، إلى جانب غياب النائب الأول لحاكم مصرف لبنان وسيم منصوري. هذا الغياب أثار تساؤلات حول دلالاته، خصوصاً في ظل حساسية التوازنات الطائفية اللبنانية.
مصادر مطلعة على برنامج الزيارة أوضحت أن اللقاءات جرت غالباً بشكل منفرد مع المسؤولين المعنيين مباشرة بملفات الوفد، نافية أن يكون هناك بُعد طائفي متعمّد في الاستبعاد. وأكدت مصادر في «الثنائي الشيعي» أن الوفد لم يقاطع أحداً، مشيرة إلى أن الوزير جابر شارك في مأدبة العشاء مع أعضاء الوفد، ما ينفي فرضية القطيعة السياسية.
ومع ذلك، ترى مصادر وزارية أن تجاهل لقاء بري يحمل رمزية سياسية، خصوصاً أنه تقليد دبلوماسي درجت عليه زيارات المسؤولين الأميركيين إلى بيروت. واعتبرت أن الاستبعاد يعكس رسالة موجّهة إلى إيران، مفادها أن واشنطن تتجنب أي تواصل رسمي مع ممثلين شيعة في لبنان، بصرف النظر عن انتماءاتهم، في إطار ضغوطها المتصاعدة على «حزب الله» ونفوذه.
وتضيف المصادر أن هذه الإشارة قابلتها طهران برد سريع على لسان نائب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، الذي شدد على رفض أي تفاوض جديد مع إسرائيل، ورفض تسليم السلاح شمال الليطاني، في موقف فسّره مراقبون كردّ غير مباشر على الرسائل الأميركية.
ويرى متابعون أن لبنان تحوّل مجدداً إلى ساحة لتبادل الرسائل بين واشنطن وطهران، إذ تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً على المؤسسات اللبنانية لتقييد التمويل الموجه إلى «حزب الله» وتقليص نفوذه، فيما تسعى إيران إلى تثبيت موقع الحزب ضمن المعادلة الإقليمية. وتشير المصادر إلى أن السياسة الأميركية الحالية امتداد لمواقف قديمة بدأت منذ ولاية الرئيس دونالد ترمب الأولى عام 2017، عندما طالبت واشنطن للمرة الأولى بتقليص النفوذ الإيراني في لبنان وإخضاع السلاح لسلطة الدولة.
وفي المقابل، يستند المسؤولون الشيعة في لبنان إلى سجل طويل من التواصل مع واشنطن. فمنذ عام 2015، وجّه رئيس البرلمان نبيه بري وفوداً نيابية إلى العاصمة الأميركية لعقد لقاءات مع مسؤولين في الكونغرس، كما زار وزير المال ياسين جابر واشنطن أكثر من مرة، كان آخرها الشهر الماضي، حيث اجتمع بممثلين عن وزارة الخزانة وصندوق النقد الدولي.
وخلال العشاء الذي دعا إليه النائب فؤاد مخزومي، قدّم جابر عرضاً للوفد الأميركي حول الإجراءات الحكومية اللبنانية لضبط الاقتصاد النقدي وتشديد الرقابة الجمركية على المعابر الحدودية والمطارات والمرافئ، إضافة إلى تعزيز الرقابة على شركات تحويل الأموال، مؤكداً أن الإصلاحات مستمرة على الصعيد التنفيذي، فيما يبقى البعد السياسي خاضعاً لنقاش بين الرئاسات اللبنانية.



