مقالات

الانفتاح الأميركي على دمشق: إعادة رسم النفوذ في المشرق دون التخلي عن لبنان

الانفتاح الأميركي على دمشق: إعادة رسم النفوذ في المشرق دون التخلي عن لبنان

أثار استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، في أول زيارة رسمية لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة، تساؤلات واسعة في بيروت حول موقع لبنان في الحسابات الأميركية الجديدة. فهل يعني هذا الانفتاح أن واشنطن حوّلت اهتمامها شرقاً نحو سوريا على حساب لبنان، أم أنه جزء من إعادة تنظيم أوسع للنفوذ في المشرق العربي؟

 

المعطيات حتى الآن تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تنسحب من لبنان، بل تعيد توزيع أدوارها في المنطقة. فبعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، باتت واشنطن تنظر إلى المشرق كوحدة مترابطة، وتتعامل مع الملفات الإقليمية بمقاربة شاملة، لا عبر ساحات منفصلة.

 

المرحلة الحالية تكشف تحولاً في أدوات السياسة الأميركية أكثر مما تعكس تغييراً في أهدافها. فواشنطن مستمرة في دعم الجيش اللبناني وتقديم المساعدات، لكنها باتت تتعامل مع الملف اللبناني من زاوية “إدارة النفوذ” لا “إدارة الأزمة”. وهذا يعني أن الدعم العسكري سيبقى قائماً، لكنه مشروط بالإصلاحات، وضبط الحدود، وتنفيذ القرارات الدولية، وخصوصاً سحب سلاح حزب الله، من دون أن ترافق ذلك تغطية سياسية أو ضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها في اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في نوفمبر 2024.

 

في المقابل، يبدو الانفتاح الأميركي على دمشق جزءاً من مقاربة إقليمية أوسع تهدف إلى خلق توازن جديد بعد حرب غزة. فواشنطن تعتبر سوريا “نقطة ارتكاز” للحد من النفوذ الإيراني في المشرق، وقد لعبت الوساطة السعودية دوراً محورياً في هذا المسار الذي يهدف إلى إعادة دمج دمشق في الإطارين العربي والدولي. وبدأت واشنطن بالفعل برفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المعروفة بـ«قانون قيصر».

 

وتسعى الولايات المتحدة إلى توظيف المفاوضات السورية – الإسرائيلية القائمة للوصول إلى اتفاق أمني، قد يتطور إلى تطبيع، فيما تحاول دمشق الاكتفاء باتفاق أمني يوقف الخروقات الإسرائيلية. وإذا تحقق هذا الاتفاق، فسيضع لبنان أمام تحدٍ سياسي، إذ لطالما ربط موقفه من التطبيع بموقف سوريا.

 

في الوقت ذاته، تطالب واشنطن دمشق بالتصدي للتطرف السنّي، ما يعكس تحوّلاً في خطاب الرئيس أحمد الشرع، الذي انضم إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب خلال لقائه بترامب. غير أن الهدف الأميركي لا يقتصر على مواجهة الجماعات المتشددة مثل “داعش”، بل يمتد إلى كبح مظاهر “التطرف الشيعي” في المنطقة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عن انعكاسات هذه المقاربة على لبنان.

 

ورغم أن واشنطن تبدو منفتحة على دمشق، فإنها لا تزال تمارس سياسة ضغط مدروسة تجاه لبنان، تجمع بين استمرار الدعم العسكري وتقييد التسهيلات المالية والسياسية، في انتظار خطوات إصلاحية ملموسة من بيروت في مجالات السيادة ومكافحة الفساد وضبط الحدود. داخل الإدارة الأميركية نفسها، تتباين المواقف: فبعض الدوائر يدعو إلى التوازي بين المسارين السوري واللبناني، بينما يرى آخرون في التقارب مع دمشق وسيلة للضغط على بيروت في ملفات السلاح والقرارات الدولية.

 

إلى حين تبلور الموقف النهائي، ينتظر أن يرفع السفير الأميركي الجديد في لبنان، ميشال عيسى، تقريره إلى البيت الأبيض لتقييم جاهزية الدولة اللبنانية للاستجابة لمعايير السياسة الأميركية الجديدة، ما سيحدد أولويات واشنطن في المرحلة المقبلة.

 

في المحصلة، لم يخرج لبنان من دائرة الاهتمام الأميركي، لكنه لم يعد في صدارة الأولويات. فالمقاربة الأميركية اليوم تسعى إلى إدارة النفوذ في المشرق عبر رؤية إقليمية موحدة تهدف إلى تثبيت الاستقرار واحتواء إيران، من دون انخراط مباشر أو مواجهة مفتوحة. ويبقى الرهان الأميركي على أن استقرار دمشق سينعكس إيجاباً على بيروت، في حين يبقى السؤال مفتوحاً: هل سينجح لبنان في استثمار هذا التبدّل للحفاظ على موقعه، أم سيبقى متفرجاً على إعادة رسم الخريطة من حوله؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce