مقالات

الشرع بين الاعتذار عن الماضي والاعتزاز به

الشرع بين الاعتذار عن الماضي والاعتزاز به

منذ تولّيه السلطة في دمشق، سعى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى إظهار صورة مختلفة عن ماضيه، فبرّر في مقابلات سابقة نشاطه الجهادي بأنه كان نتيجة مرحلة الشباب، في ما فُهم على أنه اعتذار غير مباشر عن ماضيه. كما حرصت سلطته الجديدة على إبراز علم الثورة السورية بعد إسقاط نظام الأسد، في محاولة للإيحاء بقطيعة رمزية مع الماضي، رغم أن الفصائل التي تمثلها — وعلى رأسها هيئة تحرير الشام — كانت قد حاربت حاملي هذا العلم سابقاً قبل أن تتراجع عن تبنيه.

 

لكن التغييرات الشكلية لم تُخفِ واقعاً مختلفاً على الأرض. ففي إدلب مثلاً، اندلعت في ربيع 2024 مظاهرات واسعة ضد سلطة الهيئة، قوبلت بالقمع، فيما بقيت الشعارات المناهضة للديموقراطية ماثلة في الشوارع. وسجّل ناشطون حوادث اختفاء قسري واغتيالات وانتهاكات ضد فصائل معارضة أخرى، عكست استمرار نهج الهيمنة بدلاً من توحيد الجهود لمواجهة النظام السابق.

 

أما الفصائل المتحالفة مع الهيئة، فلم تكن أفضل حالاً؛ إذ ارتكبت بدورها تجاوزات بحق المدنيين، وارتبط اسمها بمجازر ذات طابع طائفي في مناطق مختلفة. في المقابل، روّج أنصار السلطة الجديدة لفكرة أن الأخطاء السابقة يمكن تجاوزها ما دامت حققت “النصر”، متجاهلين غياب أي اعتذار رسمي أو مراجعة جدية للممارسات الماضية.

 

هذا التناقض تجلّى مجدداً في تصريحات الشرع الأخيرة خلال لقائه الجالية السورية في واشنطن، حين قال: “أنا أعتزّ بتاريخي ولا أخجل من أي مرحلة مررت بها”، وهو ما فُسّر على أنه تراجع عن نبرة التوبة التي ميّزت بدايات حكمه. كما أكد أن “الحفاظ على النصر كلفته أكبر من تحقيقه”، من دون الإشارة إلى أي نية حقيقية لإطلاق عملية انتقال ديموقراطي.

 

يرى مراقبون أن تصريحات الشرع تمثّل مؤشراً على استمرار الذهنية السلطوية التي لم تتخلّص من إرث النظام السابق. فالثورة السورية، التي انطلقت عام 2011 من أجل الحرية والتداول السلمي للسلطة، كانت تطمح إلى بناء دولة ديموقراطية تتيح وجود رؤساء سابقين أحياء لا زعماء دائمين. لكن استمرار تجاهل الأخطاء وغياب المساءلة يبددان هذا الأمل، ويجعلان النصر على “الأسدية” مجرد تغيير في الوجوه لا في الجوهر.

 

طالما لم تعترف السلطة الجديدة بأخطائها ولم تعتذر لضحاياها، يبقى التحول الديموقراطي مؤجلاً، ويظل الخطر قائماً من إعادة إنتاج الماضي الذي ثار السوريون عليه.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce