مقالات

لبنان أمام لحظة الحقيقة: التفاوض ضرورة لا خيارًا

لبنان أمام لحظة الحقيقة: التفاوض ضرورة لا خيارًا

 

يقف لبنان اليوم أمام لحظة حاسمة في تاريخه، إذ بات خيار التفاوض معقدًا لكنه لا مفر منه في ظل الانقسام الداخلي وتبدّل موازين القوى الإقليمية والدولية. فالتجارب التاريخية، من بغداد إلى بيروت، تؤكد أن الدول التي ترفض التفاهم وتؤجل الحوار تجد نفسها عاجلاً أو آجلاً رهينة الانهيار أو الحروب المفروضة عليها.

 

في أيلول عام 2001، وخلال زيارة لوفد لبناني إلى العراق قبل يوم واحد من هجمات نيويورك، أظهر اللقاء مع نائب الرئيس العراقي آنذاك طه ياسين رمضان أن رفض التفاوض لم يمنع الكارثة بل عجل بها. ذلك اللقاء بقي درسًا مفتوحًا: في السياسة، السؤال ليس هل نفاوض أم لا، بل متى نفاوض وبأي شروط. فعندما يعجز الداخل عن التفاهم، تُفتح أبواب الخارج للحرب.

 

اليوم، يتكرر المشهد في لبنان، حيث تتحكم الوقائع الإقليمية في مسار الأحداث. فإسرائيل، رغم هشاشتها السياسية، ما زالت تمارس سياسة “الجدار الحديدي” التي وضع أسسها جابوتنسكي وكرّسها نتنياهو، القائم على فرض الهيمنة لا التفاهم. لكنها، رغم تفوقها العسكري، ليست قوة مكتفية بذاتها، إذ تستند بالكامل إلى المظلة الأميركية. ومن هنا، يصبح التفاوض معها – ولو غير مباشر – إدارة واقعية للصراع لا تنازلاً عنه.

 

على الصعيد الدولي، ما زالت الولايات المتحدة تمسك بمفاتيح اللعبة في الشرق الأوسط، بينما تلعب روسيا والصين أدواراً محدودة ومصلحية. أما إيران، المحاصَرة من الخارج والمأزومة في الداخل، فتفاوض كلما ضاق الخناق. وفي ظل هذا المشهد، يدرك اللبنانيون أن الحرب لم تعد خياراً قابلاً للإدارة، وأن التفاوض لا يعني التطبيع أو التراجع، بل محاولة لحماية ما تبقى من الدولة والناس.

 

ولكي ينجح أي مسار تفاوضي، لا بد أن تكون الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخولة اتخاذ القرار، عبر تنسيق كامل بين رئاسات الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي. كما يجب أن ترافق العملية السياسية إصلاحات جذرية تعيد الثقة بالمؤسسات والقطاع المالي، وتمنح لبنان القدرة على التفاوض من موقع وطني متماسك.

 

فلبنان لا يملك ترف المماطلة. التفاوض اليوم ليس ضعفاً، بل فعل بقاء. رفض الحوار يعني ترك الجنوب والبقاع والضاحية رهائن للنار، بينما التفاوض، حين يكون تحت مظلة الدولة، هو وسيلة لحماية الأرض والإنسان. في عالم تحكمه القوة والمصالح، يصبح التفاوض ضرورة وطنية، وشرطاً للحفاظ على لبنان كدولة لا كساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce