مقالات

الغازي الذي لم ينجُ من ظله: لغز “انتحار” غازي كنعان بين الحقيقة والتصفية

الغازي الذي لم ينجُ من ظله: لغز “انتحار” غازي كنعان بين الحقيقة والتصفية

لم يكن اللواء غازي كنعان رجلًا عاديًا في النظام السوري. وجهه الصارم وابتسامته الخافتة وسيجاره الدائم شكّلوا صورة رجلٍ يعرف كيف يُخفي أكثر مما يُظهر. لكن صباح تشرين الأول/أكتوبر 2005، أعلنت وزارة الداخلية السورية في بيان مقتضب:

«انتحر اللواء غازي كنعان في مكتبه بوزارة الداخلية صباح اليوم».

 

جملة قصيرة أنهت حياة أحد أكثر رجال النظام نفوذًا وغموضًا، لكنها فتحت أبواب الأسئلة. ففي بلدٍ لا ينتحر فيه كبار الضباط إلا حين يُستبعدون من دوائر السلطة، بدا موت كنعان أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى انتحار شخصي.

 

وفق روايات متقاطعة، لم يكن المشهد بسيطًا كما أُعلن. تقرير الطب الشرعي تحدّث عن رصاصة في الفم، فيما نقل شهود أن ابنه كان يصرخ في مستشفى الشامي بدمشق: “قتلوه!”. مصادر مطلعة تؤكد أن كنعان تلقّى قبل موته ظرفًا سرّيًا تضمن وثائق عن مخططٍ انقلابيٍّ مزعوم ضده، بالتنسيق مع شخصيات سورية بارزة ومسؤول أميركي سابق. بعد وصول الظرف، زاره آصف شوكت، رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك، في مكتبه بوزارة الداخلية، ليجري بعد اللقاء بساعات اتصاله الأخير عبر إذاعة لبنانية قائلاً: “هذه قد تكون آخر تصريحاتي… أحببت أن أوضح أن ما نشر عني غير صحيح… هذا للتاريخ”.

 

بعد ساعات، كان الخبر الرسمي جاهزًا: انتحار. لكن الروايات الأخرى تحدثت عن سبع رصاصات داخل جسده، لا واحدة. وقيل إن كاتم الصوت استُخدم لتغطية عملية تصفية مباشرة بأمر من رأس النظام نفسه. وفي كلتا الحالتين، طُويت صفحة رجلٍ كان يعرف أكثر مما ينبغي.

 

لم يكن كنعان مجرد ضابطٍ بارز؛ كان مهندس النفوذ السوري في لبنان طوال عقدين. من مكتبه في عنجر، كان يُقرّر من يُنتخب ومن يُنفى، يدير اللعبة السياسية والأمنية بدهاءٍ وحذر. علاقته المتشعّبة مع السياسيين اللبنانيين جعلته الحاكم الفعلي لبيروت في التسعينيات، قبل أن يُستدعى إلى دمشق عام 2002 ويُعيّن لاحقًا وزيرًا للداخلية. لكن صعود بشار الأسد قلب المعادلة، وتحول نفوذ كنعان إلى عبء ثقيل على النظام.

 

مع اغتيال رفيق الحريري عام 2005 وبدء التحقيق الدولي، بات اسمه على لائحة المطلوبين للاستجواب. عاد من فيينا محاطًا بالريبة، وتحت رقابة أجهزة الأمن السورية، إلى أن أُعلن انتحاره قبل صدور تقرير ميليس بأيام قليلة.

 

لم يُفتح تحقيق حقيقي في مقتله، ولم تُنشر تفاصيل رسمية. ثم لحقت الحادثة بوفاة شقيقه في “حادث دهس” غامض، قيل إنه تصفية ثانية لإغلاق ملفّات سرّية كان يحتفظ بها.

 

بموته، انتهى زمن الوصاية السورية على لبنان، وبدأت مرحلة جديدة من الانكفاء السياسي في دمشق. ومع ذلك، ظلّ السؤال معلقًا: هل انتحر غازي كنعان فعلًا، أم أُجبر على كتابة نهايته بنفسه؟

 

في التاريخ السوري الحديث، كثير من رجال السلطة “ينتحرون” حين يتحوّلون إلى عبء. تمامًا كما حدث مع عبد الكريم الجندي ومحمود الزعبي من قبله. كان كنعان آخرهم… وربما الأوضح دلالة على أن في دمشق، حتى الظلال تُقتل حين تطول أكثر مما يجب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce