
حين يُكافأ الإرهاب وتُغتال العدالة
حين يُكافأ الإرهاب وتُغتال العدالة
بقلم – سادن الحقيقة
في مشهدٍ سرياليٍّ لا يليق إلا بمسرح العبث، اجتمع مجلس الأمن الدولي، الذي يُفترض أن يكون حارس العدالة الدولية، ليخلّ أمام مرآى ومسمع العالم بميزان الحق، ويُغيّر معايير التصنيف، ويُساوي بين الضحية والجلاد، في قرارٍ يُعدّ وصمة عار في جبين العدالة الدولية.
ففي السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حيث أن هذا التاريخ لا يُنسى، أقرّ المجلس، بقرارٍ صيغ أمريكياً وعدّلته روسيا والصين ليمرّ دون فيتو، رفع اسم المدعو أحمد الشرع، المعروف بـ«أبو محمد الجولاني»، ووزير داخليته أنس خطاب، من قوائم العقوبات الخاصة بتنظيمي «داعش» و«القاعدة» الإرهابيين.
هكذا، وبجرة قلم، شطب تاريخ من الإرهاب والدم والدمار، وكأن مليون شهيد سوري، ومثلهم من العراقيين، لم يقتلوا، ولم يُهجروا، ولم يدفنوا تحت ركام المدن التي دكّها هؤلاء على مدار أربعة عشر عاماً.
هل نضحك أم نبكي؟ هل نلطم أم نزغرد؟
هل نبارك هذا الانحدار الأخلاقي، أم نصرخ: كفى نفاقاً؟
لقد بات الجولاني، الذي كان يُصنّف حتى الأمس القريب «إرهابياً عالمياً»، اليوم «رئيساً لسلطة انتقالية» في سوريا، ليس عبر صناديق اقتراع بل بمبايعة، تحت مظلة دولية، وبمباركة أمريكية أوروبية، في صفقة قذرة تُدار تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ها هو ذا الرجل الذي كان يتخفى في الكهوف ويتزيا بزي الزاهدين، يطل اليوم ببذلة رسمية وربطة عنق أنيقة، يتحدث بلغة دبلوماسية مصطنعة كأنما نسي الدم الذي سال، وكأن ذاكرة المجازر تُمسح بلمعة حذائه الجديد.
أي مهزلة هذه؟.. أن يُكافأ القاتل بشرعية دولية، بينما يُترك الضحايا في العراء، بلا عدالة، بلا صوت، بلا اعتراف.
أي شرعية دولية أن يُزال اسم أنس خطاب أيضاً، المعروف بأسماء مستعارة مثل «أبو أحمد حدود»، من قوائم الإرهاب، رغم تاريخه الدموي، فقط لأن واشنطن قررت أن الوقت قد حان لـ«تدوير الزوايا».
أهكذا تُدار الأمور يا أمريكا؟.. أهكذا تُصنّع «الشرعيات»؟.. أهكذا تُغسل أياديكم من دماء الشعوب؟.
لقد بات واضحاً أن من يصنع الإرهاب هو ذاته من يرفعه عن قوائمه، وأن من يُشعل الحروب هو ذاته من يبيع صكوك الغفران.
وإن كنتم قد نسيتم، فنحن لم ننسَ.
لم ننسَ مجازر الساحل السوري، حين اقتحمت عصابات الجولاني القرى الآمنة، وذبحت الأمهات أمام أطفالهن، واغتصبت النساء، وقطّعت أجساد الأطفال دون رحمة، وتبجّحوا يومها بمحاسبة الجناة،
لم ننسَ السويداء بعد شهور من مجازر الساحل، حين تكرّر السيناريو الدموي ذاته، ثم عاد ذات القتله ليُعيدوا المجازر، ويوثقوا أفعالهم بكاميرات جوالاتهم، ليُثبتوا للعالم أنهم فوق القانون، وكأن الدماء لا تكفي، وكأن الأرواح لا تُحسب.
ومع ذلك، لم يرَ الغرب، ولا أمريكا، كل هذه الشلالات من الدماء.
لم يسمعوا صراخ الأمهات، ولا أنين الأطفال، ولا نحيب المدن التي أُبيدت.
بل رأوا في الجولاني «حملاً وديعاً»، يستحق أن يُرفع اسمه عن قوائم الإرهاب، ويُمنح «وسام الشرف»، ليحكم من جديد ويُعيد إنتاج الرعب تحت غطاء دولي.
لكننا لن نصمت، بل سنكتب، ونفضح، ونُعرّي هذا الوجه القبيح للغرب الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، بينما يرعى أخطر التنظيمات، ويُعيد تدويرها سياسياً حين تقتضي المصالح.
هذا المقال ليس صرخة يأس، بل وثيقة إدانة نُعلّقها على جدار التاريخ، لنقول للأجيال القادمة:
«كنا هناك، ورأينا، وكتبنا، ورفضنا أن نكون شهود زور».
هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط



