
لبنان يرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل ويتمسك بالحوار غير المباشر لتثبيت وقف النار
لبنان يرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل ويتمسك بالحوار غير المباشر لتثبيت وقف النار
يتمسك لبنان بمبدأ التفاوض مع إسرائيل كخيار ضروري لتثبيت وقف إطلاق النار وترسيم الحدود الجنوبية، لكنه في الوقت نفسه يرفض أي حوار مباشر مع الجانب الإسرائيلي، التزامًا بثوابته السياسية الراسخة منذ اتفاق الهدنة عام 1949، التي تمنع التطبيع أو الاعتراف بإسرائيل.
وقد أعادت الاجتماعات الأخيرة للجنة مراقبة تنفيذ وقف النار (الميكانيزم) في الناقورة إحياء الجدل حول طبيعة التفاوض بين الجانبين، بين من يراه خطوة سياسية ضرورية لحماية السيادة، ومن يحذر من أي انزلاق نحو التطبيع. وفي هذا السياق، شدد النائب إيهاب حمادة، عضو كتلة «حزب الله» النيابية، على أن «آلية الميكانيزم» ليست مفاوضات مباشرة بل «تفاهم غير مباشر برعاية دولية».
الخبير القانوني والنائب السابق غسان مخيبر أوضح في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن شكل المفاوضات في القانون الدولي «يخضع لقرار سياسي محض»، مشيرًا إلى أن لبنان «ما زال في حالة حرب مع إسرائيل، ولا يمكنه خوض أي مفاوضات إلا بقرار سياسي يتيح تجاوز القيود القانونية». وأكد أن «الفقه الدولي لا يعتبر التفاوض بحد ذاته اعترافًا بإسرائيل»، مستشهدًا بسلسلة تفاهمات سابقة، منها اتفاقية الهدنة عام 1949 في رأس الناقورة، واتفاق 17 أيار 1983 الذي أُسقط لاحقًا داخليًا، وتفاهم نيسان 1996 الذي جرى عبر وساطة أميركية – فرنسية، وصولًا إلى مفاوضات ترسيم الحدود البحرية عام 2020، التي أدارها الأميركيون والأمم المتحدة بوساطة غير مباشرة.
ويرى مخيبر أن «هذه الصيغ المتنوعة تؤكد تمسك لبنان بعدم التطبيع، مع الانفتاح على الآليات التقنية أو الأمنية غير المباشرة التي تحفظ مصالحه السيادية». وأضاف أن «جوهر المسألة ليس في شكل المفاوضات بل في مضمونها: إذا كانت لاستعادة السيادة وتثبيت الحدود، فهي واجب وطني، أما إذا ارتبطت بشروط إسرائيلية كمسألة نزع سلاح حزب الله، فتصبح إشكالية كبرى».
من جهته، شدد اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، الرئيس الأسبق للوفد العسكري اللبناني إلى اللجنة الثلاثية، على أن «التمييز بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة ليس شكليًا بل قانوني وسيادي». وأوضح أن الجلسات السابقة في الناقورة «كانت تُعقد بشكل يعكس هذا المبدأ، حيث يجلس الوفدان في قاعة واحدة على طاولة على شكل U، تتوسطهما طاولة (اليونيفيل)، لتعمل كقناة اتصال غير مباشرة بين الطرفين».
وأشار شحيتلي إلى أن هذا الترتيب لم يكن رمزيًا فقط، بل كان يعكس خط دفاع سياسي وقانوني واضح، موضحًا أن «أي تنازل في الشكل أو رفع مستوى التمثيل يمكن أن يُفسر كاعتراف ضمني بإسرائيل». واعتبر أن «كل تراجع في الصيغة اللبنانية يمنح إسرائيل قدرة أكبر على فرض شروطها»، داعيًا إلى الحفاظ على مبدأ التفاوض غير المباشر كأداة تفاوضية تحمي الموقف الوطني.
وفي ما يخص تجربة ترسيم الحدود البحرية، لفت شحيتلي إلى أنها «أظهرت أهمية الحزم في تحديد السقف اللبناني قبل بدء أي مفاوضات»، مشددًا على أن «أي مسار جديد يجب أن يسبق بتحديد المطالب الإسرائيلية وضمان عدم تجاوزها، وإلا فإن أي تفاوض يصبح مجازفة استراتيجية».
وفي خلاصة المواقف، يتفق الخبراء على أن النقاش حول المفاوضات لا يتعلق بهندسة القاعة أو شكل الطاولة، بل بمدى استعداد الطرفين للوصول إلى اتفاق يحترم القانون الدولي ويحفظ سيادة لبنان، دون الانزلاق نحو أي شكل من أشكال التطبيع.



