
إعادة الإعمار في لبنان بين عجز الدولة وضغط حزب الله
إعادة الإعمار في لبنان بين عجز الدولة وضغط حزب الله
منذ إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، تتكرر عبارة “إعادة الإعمار” في الخطابات السياسية اللبنانية من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ. فمع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وغياب التمويل اللازم، لا تزال الحكومة عاجزة عن إطلاق خطة شاملة لإعادة بناء المناطق المنكوبة، فيما تتصاعد الضغوط عليها من قبل القوى السياسية، وفي مقدمتها حزب الله.
في هذا السياق، نظّم رئيس مجلس النواب نبيه بري “اللقاء التنسيقي الأول نحو إعادة الإعمار” في مجمعه الثقافي في المصيلح، في محاولة لإطلاق ورشة وطنية للنهوض من الدمار الذي خلّفته الحرب. لكن اللقاء بدا ذا لون سياسي واحد، إذ غابت عنه معظم القوى المعارضة، فيما اقتصر الحضور على نواب ووزراء من كتلتي التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة، إلى جانب ممثلين عن الجيش واليونيفيل وعدد من الإدارات العامة.
وفي كلمة ألقاها النائب محمد خواجة باسم بري، شدد الأخير على أن إعادة الإعمار “يجب أن تكون مسؤولية وطنية جامعة”، داعيًا الدولة إلى أن تكون في مقدمة الجهود لإعادة البناء وترميم الثقة مع المواطنين، ولا سيما أبناء الجنوب الذين تحمّلوا سنوات طويلة من الحروب. كما دعا إلى دعم عربي ودولي لمساندة لبنان في هذه المرحلة الحساسة.
غير أن أبرز العوائق التي تواجه عملية الإعمار تبقى مالية في المقام الأول. فبحسب رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر، بلغت كلفة الأضرار نحو 6 مليارات دولار تشمل المنازل والبنى التحتية. أما وزير الصحة ركان ناصر الدين فأكد أن وزارته بدأت بإعادة تأهيل المستشفيات الحكومية، لكن الإمكانات محدودة جدًا، والأولوية تبقى لترميم البيوت المهدّمة.
وزير المالية ياسين جابر أوضح أن الدولة “غير قادرة على تمويل ترميم المنازل من دون دعم خارجي”، مشيرًا إلى أن الحل يكمن في إقرار قرض البنك الدولي البالغ 250 مليون دولار، والذي لم يمر في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب بسبب فقدان النصاب. وأضاف أن هذا القرض يمكن أن يفتح الباب أمام تمويل إضافي بقيمة مماثلة، مع تضمين موازنة 2026 مخصصات واضحة لإعادة الإعمار.
في المقابل، يرى حزب الله أن الوقت حان كي تتحمل الحكومة مسؤولياتها كاملة. النائب علي فياض اعتبر أن الحزب “قام بدوره في الإيواء والترميم”، وأن “الكرة الآن في ملعب الدولة”. وأشار إلى أن الشيكات الصادرة عن مؤسسات الحزب ستُصرف في وقت قريب، لكن إعادة بناء المنازل مسؤولية حكومية بحتة. أما النائب حسن فضل الله، فاتهم الحكومة بالتباطؤ، مؤكدًا أن عدم إدراج بند صريح لإعادة الإعمار في موازنة 2026 سيعرّضها للرفض في البرلمان.
وخلص اللقاء إلى سلسلة توصيات أبرزها دعوة مجلس الوزراء إلى جلسة خاصة لمناقشة آلية واضحة لإعادة الإعمار، ووقف رهن الملف بالمواقف السياسية والدولية، وتخصيص بند دائم في الموازنة لهذه الغاية. كما شدد المجتمعون على ضرورة توفير الحماية للفرق الميدانية العاملة في رفع الركام، بعد أن توقفت بعض الأعمال جراء الاعتداءات الإسرائيلية.
لكن رغم الإجماع على أولوية إعادة الإعمار، يبقى الانقسام السياسي الداخلي حول الحرب ومسؤولياتها عائقًا أمام أي تقدم فعلي. وبين العجز المالي والانقسامات، يواجه الجنوب اللبناني مصيرًا مفتوحًا على مزيد من الانتظار، فيما تتكاثر الوعود وتبقى إعادة الإعمار رهينة التجاذبات والتمويل الغائب.



