
لبنان خارج خريطة التحوّلات الإقليمية: من يملك الطريق يملك المستقبل
لبنان خارج خريطة التحوّلات الإقليمية: من يملك الطريق يملك المستقبل
في الوقت الذي تعيد فيه دول المنطقة رسم خرائطها الاقتصادية والسياسية بخطوط برية وبحرية تمتد من الخليج إلى المتوسط، يقف لبنان متفرجًا خلف نافذة مغلقة. بينما تبني مصر والسعودية والعراق وسوريا وتركيا شبكات نقل وتعاون اقتصادي عابر للحدود، يغرق اللبنانيون في نقاشات داخلية عقيمة حول قوانين انتخابية لا تغيّر في توازن القوى، وتعيينات إدارية تقسمها المحاصصة، وتصريحات سياسية متناقضة لا تُسمن ولا تُغني عن الانهيار المستمر.
بينما تتحرك المنطقة نحو تكامل اقتصادي غير مسبوق، يعجز لبنان عن التفاهم مع نفسه أو مع محيطه. فالعلاقات مع سوريا والعراق شبه مجمّدة، والاستثمارات الخليجية متوقفة بقرار واضح: لا أموال بلا إصلاحات وأمن وقضاء نزيه.
وعلى مقربة من الحدود، تعود سوريا بخطى ثابتة إلى المشهد الاقتصادي الإقليمي. فبعد أعوام من الحرب والعزلة، شهدت الرياض لقاءً مشتركًا جمع الرئيس السوري أحمد الشرع وولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، تحت عنوان «الاقتصاد من أجل الاستقرار». وأعلن الشرع خلال الجلسة أن سوريا جذبت نحو 28 مليار دولار من الاستثمارات خلال الأشهر العشرة الأخيرة، في رسالة سياسية بقدر ما هي اقتصادية، تؤكد عودة دمشق إلى الخريطة الجديدة واستعدادها للانفتاح على مشاريع النقل والطاقة الإقليمية.
وفي خطوة اعتُبرت مؤشراً على تحرّر القرار المالي السوري من الارتهان لبيروت، ألزم مصرف سوريا المركزي المصارف العاملة في البلاد بتغطية انكشافها على القطاع المالي اللبناني، بقيمة تقارب 1.6 مليار دولار خلال ستة أشهر. القرار بدا اقتصادياً في الشكل، لكنه حمل رسالة سياسية مفادها أن سوريا قررت فكّ ارتباطها بمصارف لبنان وإعادة تدوير سيولتها داخلياً، لتستعيد السيطرة على مواردها رغم العقوبات. في المقابل، بقيت بيروت غارقة في الإنكار، تكتفي بإدارة الانهيار بالكلام فيما تتآكل مؤسساتها.
وبينما تنسج دمشق وعمّان وأنقرة والرياض خيوط مشروع إعادة تأهيل «سكة حديد الحجاز» التي تصل المشرق بالخليج، يظل لبنان بعيدًا عن كل طاولة. فموانئه خارج شبكات التجارة الجديدة، ومنطقته الاقتصادية الشمالية مجمّدة، وخطط الربط السككي مؤجلة بلا أفق. طرابلس، التي يمكن أن تكون بوابة العراق وسوريا إلى المتوسط، تظل نائمة على شاطئ بلا قرار سياسي أو رؤية اقتصادية.
هكذا، يعيد المشرق ترتيب نفسه بخطوط من الحديد والنفط والموانئ، فيما سوريا الخارجة من الحرب تعرف أين تضع قدمها، والعراق يستعد للاندماج، والخليج يرسم طريق المستقبل. وحده لبنان ما زال على الرصيف، يراقب القطارات تمرّ أمامه من دون أن يمتلك تذكرة الصعود إليها. فمن لا يملك طريقه، لا يملك دوره، ومن يتأخر عن القطار، يسمع صفيره من بعيد.



